وأما قوله: { والسابحات سَبْحًا } فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله: هي النجوم تسبح في الفلك ، لأن مرورها في الجو كالسبح ، ولهذا قال: { كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء: 33 ] .
وأما قوله: { فالسابقات سَبْقًا } فقال الحسن وأبو عبيدة: وهي النجوم يسبق بعضها بعضًا في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض ، أو بسبب رجوعها أو استقامتها .
وأما قوله تعالى: { فالمدبرات أَمْرًا } ففيه وجهان أحدهما: أن بسبب سيرها وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض ، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى: { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحمد } [ الروم: 17 ، 18 ] وقال: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } [ البقرة: 189 ] وقال: { لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } [ يونس: 5 ] ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة ، ويخلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش ، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات والثاني: أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها ، وإلى صانع يخلقها ، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم ، فهذا يطعن في الدين البتة ، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضًا ، لكنا نقول: أن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سببًا لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم ، كما جعل الأكل سببًا للشبع ، والشرب سببًا للري ، ومماسة النار سببًا للاحتراق ، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام ألبتة بوجه من الوجوه ، والله أعلم بحقيقة الحال .
الوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح ، وذلك لأن نفس الميت تنزع ، يقال فلان في النزع ، وفلان ينزع إذا كان في سياق الموت ، والأنفس نازعات عند السياق ، ومعنى { غَرْقًا } أي نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشد من إغراق النازع في القوس وكذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج ، ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ، ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان ، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة ، ثم لا شك أن مراتب الأرواح في النفرة عن الدنيا ومحبة الاتصال بالعالم العلوي مختلفة فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى هناك أسبق ، وكلما كانت أضعف كان سيرها إلى هناك أثقل ، ولا شك أن الأرواح السابقة إلى هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها ، ثم إن هذه الأرواح الشريفة العالية لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها وشرفها يظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي { فالمدبرات أَمْرًا } أليس أن الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها؟ أليس أن الابن قد يرى أباه في المنام فيهديه إلى كنز مدفون؟ أليس أن جالينوس قال: كنت مريضًا فعجزت عن علاج نفسي فرأيت في المنام واحدًا أرشدني إلى كيفية العلاج؟ أليس أن الغزالي قال: إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها ، ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن ، فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهامًا؟ ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة ، وهذه المعاني وإن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ محتمل لها جدًا .