الوجه الرابع: في تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهي نازعات لأنها تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب وهي { ناشطات } لأنها تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب ، من قولهم: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد ، وهي سابحات لأنها تسبح في جريها وهي سابقات ، لأنها تسبق إلى الغاية ، وهي مدبرات لأمر الغلبة والظفر ، وإسناد التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه .
الوجه الخامس: وهو اختيار أبي مسلم C أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدي الغزاة يقال: للرامي نزع في قوسه ، ويقال: أغرق في النزع إذا استوفى مد القوس ، والناشطات السهام وهي خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها ، وكل شيء حللته فقد نشطته ، ومنه نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته ، والسابحات في هذا الموضع الخيل وسبحها العدو ، ويجوز أن يعني به الإبل أيضًا ، والمدبرات مثل المعقبات ، والمراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو نزع السهام وسبح الخيل وسبقها الأمر الذي هو النصر ، ولفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات ، كما قيل: المدبرات ، ويحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس والأوهاق ، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها .
الوجه السادس: أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله تعالى إلى الله { والنازعات غَرْقًا } هي الأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى ، أو المنزوعة عن محبة غير الله تعالى: { والناشطات نَشْطًا } هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة ، والتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى بنشاط تام ، وقوة قوية: { والسابحات سَبْحًا } ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار فتسبح فيها: { فالسابقات سَبْقًا } إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها إلى الله تعالى: { فالمدبرات أَمْرًا } إشارة إلى أن آخر مراتب البشرية متصلة بأول درجات الملكية ، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله: { فالمدبرات أَمْرًا } فالأربعة الأول هي المراد من قوله: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء } [ النور: 35 ] والخامسة: هي النار في قوله: { وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }