فهرس الكتاب

الصفحة 7819 من 8321

[ النور: 35 ] .

واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله A نصًا ، حتى لا يمكن الزيادة عليها ، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملًا لها ، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد ههنا من دقيقة ، وهو أن اللفظ محتمل للكل ، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهومًا واحدًا مشتركًا حملنا اللفظ على ذلك المشترك: وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه . أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل ، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معًا ، فحينذ لا نقول مراد الله تعالى هذا ، بل نقول: يحتمل أن يكون هذا هو المراد ، أما الجزم فلا سبيل إليه ههنا .

الاحتمال الثاني: وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد ، بل لأشياء مختلفة ، ففيه أيضًا وجوه الأول: النازعات غرقًا ، هي: القسى ، والناشطات نشطًا هي الأوهاق ، والسابحات السفن ، والسابقات الخيل ، والمدبرات الملائكة ، رواه واصل بن السائب: عن عطاء الثاني: نقل عن مجاهد: في النازعات ، والناشطات ، والسابحات أنها الموت ، وفي السابقات ، والمدبرات أنها الملائكة ، وإضافة النزع ، والنشط ، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث: قال قتادة: الجميع هي النجوم إلا المدبرات ، فإنها هي الملائكة .

المسألة الثانية: ذكر فالسابقات بالفاء ، والتي قبلها بالواو ، وفي علته وجهان الأول: قال صاحب «الكشاف» : إن هذه مسيبة عن التي قبلها ، كأنه قيل: واللاتي سبحن ، فسبقن كما تقول: قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب ، ولو قلت: قام وذهب لم تجعل القيام سببًا للذهاب ، قال الواحدي: قول صاحب «النظم» غير مطرد في قوله: { فالمدبرات أَمْرًا } لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير ، وأقول: يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي C من وجهين: الأول: لا يبعد أن يقال: إنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيرها وإصلاحها ، فتكون هذه أفعالًا يتصل بعضها ببعض ، كقولك قام زيد ، فذهب ، فضرب عمرًا ، الثاني: لا يبعد أن يقال: إنهم لما كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم ، فلهذا السبب فوض الله إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني: أن الملائكة قسمان ، الرؤساء والتلامذة ، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال: { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت } [ السجدة: 11 ] ثم قال: { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام: 61 ] فقلنا في التوفيق بين الآيتين: أن ملك الموت هو الرأس ، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة ، إذا عرفت هذا فتقول: النازعات ، والناشطات والسابحات ، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون العمل بأنفسهم ، ثم قوله تعالى: { فالسابقات . . . فالمدبرات } إشارة إلى الرؤساء الذين هم السابقون ، في الدرجة والشرف ، وهم المدبرون لتلك الأحوال والأعمال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت