أما القول الأول: وهو المشهور بين الجمهور ، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوهًا أحدها: أن الراجفة هي النفخة الأولى ، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها ، وإما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة ، كما بينا القول فيه ، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر ، ثم يروى عن الرسول A أن بين النفختين أربعين عامًا ، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف ، وأن ذلك كالسبب للأحياء ، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة ، ولله أن يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد وثانيها: الراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله: { عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ } [ النمل: 72 ] أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادًا لها فهي رادفة لهم لاقترابها وثالثها: الراجفة الأرض والجبال من قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال } والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك ورابعها: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى القول الثاني: وهو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة ، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم ، والسابحات بعدو الفرس ، والسابقات بسبقها ، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو ، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله A فسبقت إحداهما الأخرى ، والقلوب الواجفة هي القلقة ، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله: { الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت } [ محمد: 20 ] كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف ، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفًا ، وخشعت أبصارهم جبنًا وضعفًا ، ثم قالوا: { أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة } [ النازعات: 10 ] أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضًا: { تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسرة } [ النازعات: 12 ] فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله A من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر ، ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله: { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحدة * فَإِذَا هُم بالساهرة } [ النازعات: 14 13 ] وهذا كلام أبي مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور .
قوله تعالى: { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أبصارها خاشعة } اعلم أنه تعالى لم يقل: القلوب يومئذ واجفة ، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار ، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: