{ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة } [ النازعات: 10 ] وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين ، وقوله: { أبصارها خاشعة } لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم ، وفي الآية سؤالان:
السؤال الأول: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ الجواب: قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله: { لَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } [ البقرة: 221 ] .
السؤال الثاني: كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب؟ الجواب: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون ، ثم اعلم أنه تعالى حكى ههنا عن منكري البعث أقوالًا ثلاثة:
أولها: قوله تعالى: { يَقُولُونَ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الحافرة } يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرًا فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة ، كما قيل: { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة: 21 ] و { مَّاء دَافِقٍ } [ الطارق: 6 ] أي منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم ، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته ، أي إلى طريقته وفي الحديث:"إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته"أي على أول تأسيسه وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة في الحفرة ، والحفرة بمعنى المحفورة يقال: حفرت أسنانه ، فحفرت حفرًا ، وهي حفرة ، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور ، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية: أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا .
وثانيها: قوله تعالى: { أَءِذَا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف ، وقرأ الباقون نخرة بغير ألف ، واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل: إنه كان لا يبالي كيف قرأها ، وقيل: إنه كان يقرؤها بغير ألف ، ثم رجع إلى الألف ، واعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة ، وقال: نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت ، فوجدناها كلها العظام النخرة ، ولم نسمع في شيء منها الناخرة ، وأما من سواه ، فقد اتفقوا على أن الناخرة لغة صحيحة ، ثم اختلف هؤلاء على قولين: الأول: أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد قال الأخفش هما جميعًا لغتان أيهما قرأت فحسن ، وقال الفراء: الناخر والنخر سواء في المعنى بمنزله الطامع والطمع ، والباخل والبخل ، وفي كتاب «الخليل» نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت حتى تتفتت إذا مست ، وكذلك العظم الناخر ، ثم هؤلاء الذين قالوا: هما لغتان والمعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج والفراء: الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة والساهرة ، وقال آخرون: الناخرة والنخر كالطامع والطمع ، واللابث واللبث وفعل أبلغ من فاعل القول الثاني: أن النخرة غير والناخرة غير ، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن ، وذلك إذا بلي وصار بحيث لو لمسته لتفتت ، وأما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير ، وعلى هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم والمخنوق لا من النخر الذي هو البلى .