المسألة الثانية: إذًا منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظامًا نرد ونبعث .
المسألة الثالثة: اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله: أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة ، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه وفسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه أحدها: أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول في الوجود مرة أخرى ، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولًا ، وهذا محال لأن الذي عدم لم يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية ، فإذا دخل شيء آخر في الوجود استحال أيقال بأن العائد هو عين ما فني أولًا وثانيها: أن تلك الأجزاء تصير ترابًا وتتفرق وتختلط بأجزاء كل الأرض وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال وثالثها: أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذي لا بد وأن يكون حارًا رطبًا في مزاجه عنها محال ، هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم: { أَءذَا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً } والجواب: عن هذه الشبهة من وجوه أولها: وهو الأقوى: لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا هو هذا الهيكل ، ثم إن الذي يدل على فساده وجهان الأول: أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان والتبدل ، والذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل والمتبدل مغاير لما هو غير متبدل والثاني: أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلًا عن أعضائه الظاهرة والباطنة ، والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال ، فثبت أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا ليس هو هذا الهيكل ، ثم ههنا ثلاث احتمالات أحدها: أن يكون ذلك الشيء موجودًا قائمًا بنفسه ليس بجسم ولا بجسماني على ما هو مذهب طائفة عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين وثانيها: أن يكون جسمًا مخالفًا بالماهية لهذه الأجسام القابلة للإنحلال والفساد سارية فيها سريان النار في الفحم وسريان الدهن في السمسم وسريان ماء الورد في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة ، إما في الشقاوة أو في السعادة وثالثها: أن يقال: إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن الله تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره ، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء .