فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 8321

أحدها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل ، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى . وثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس ، قال الله تعالى: { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص: 88 ] { إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى } [ الليل: 20 ] . وثالثها: أن اعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر ، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل .

وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالا

فيكون المرء واهبًا نفسه لهذا الأمر باذلالها ، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء ، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه ، ومعنى ( لله ) أي: خالصًا لله لا يشوبه شرك ، فلا يكون عابدًا مع الله غيره ، أو معلقًا رجاءه بغيره ، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة .

أما قوله تعالى: { وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي: لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح ، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة ، وموضع قوله: { وَهُوَ مُحْسِنٌ } موضع حال كقولك: جاء فلان وهو راكب ، أي جاء فلان راكبًا ، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه ، يعني به الثواب العظيم ، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن ، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل ، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل ، واعلم أنه تعالى وحد أولًا ثم جمع ، ومثله قوله: { وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السموات } [ النجم: 26 ] ثم قال: { شفاعتهم } وقوله: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْك } [ الأنعام: 25 ] وقال في موضع آخر: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ } [ محمد: 16 ] ولم يقل: خرج ، واعلم أنا لما فسرنا قوله: { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل:

المسألة الأولى: في فضل النية قال E: « إنما الأعمال بالنيات » وقال: « إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم » وفي الإسرائيليات أن رجلًا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعامًا لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له: إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعامًا فتصدقت به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت