فهرس الكتاب

الصفحة 788 من 8321

المسألة الثانية: الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب ، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه ، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن ، إذا عرفت هذا فنقول: الباعث على الفعل إما أن يكون أمرًا واحدًا ، وإما أن يكون أمرين ، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلًا بالبعث ، أو لا يكون واحد منهما مستقلًا بذلك ، أو يكون أحدهما مستقلًا بذلك دون الآخر ، فهذه أقسام أربعة . الأول: أن يكون الباعث واحدًا وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر ، فهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى العمل بموجبها إخلاصًا . الثاني: أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان ، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقًا له ، وكونه فقيرًا ، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء ، واسم هذا موافقة الباعث . الثالث: أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد ، لكن المجموع مستقل ، واسم هذا مشاركة . الرابع: أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضدًا مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم ، واسم هذا معاونة .

المسألة الثالثة: في تفسير قوله عليه السلام: « نية المؤمن خير من عمله » ذكروا فيه وجوهًا . أحدها: أن النية سر ، والعمل علن ، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية ، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرًا من نفس الصلاة . وثانيها: النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا تدوم ، والدائم خير من المنقطع ، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل ، وأيضًا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة ، والأعمال تدوم ، وثالثها: أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده ، وهو ضعيف ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه ، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية . ورابعها: أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله ، وهو ضعيف ، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات ، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال: النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة ، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق ، وإذا كان كذلك: ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل ، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل ، وبيانه من وجوه . أولها: أن المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله ، والنية صفة القلب ، والفعل ليس صفة القلب ، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب ، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله . وثانيها: أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقيادًا له ، وإنما يراد الأعمال ليستحفظ التذكر بالتكرير ، فيكون الذكر والقصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة ، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة . وثالثها: أن القلب أشرف من الجسد ، ففعله أشرف من فعل الجسد ، فكانت النية أفضل من العمل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت