فهرس الكتاب

الصفحة 7870 من 8321

[ البقرة: 166 ] وأما الفرار من نصرته ، وهو كقوله تعالى: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا } [ الدخان: 41 ] وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى: { ولا يسأل حميم حميمًا } [ المعارج: 10 ] . المسألة الثانية: المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم ، فإنه يفر منهم في دار الآخرة ، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل: { يوم يفر المرء من أخيه } بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد ، لأن تعلق القلب بهما أشد من تعلقه بالأبوين . ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: { لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأَنٌ يُغْنِيهِ } . وفي قوله: { يغنيه } وجهان الأول: قال ابن قتيبة: يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد:

سيغنيك حرب بني مالك ... عن الفحش والجهل في المحفل

أي سيشغلك ، ويقال أغن عني وجهك أي أصرفه الثاني: قال أهل المعاني: يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم آخر ، فصارت شبيهًا بالغنى في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير . واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول ، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء ، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ } . { ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } . مسفرة مضيئة متهللة ، من أسفر الصبح إذا أضاء ، وعن ابن عباس من قيام الليل لما روى من كثرت صلاته بالليل ، حسن وجهه بالنهار ، وعن الضحاك ، من آثار الوضوء ، وقيل: من طول ما أغبرت في سبيل الله ، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة ، قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه ، واعلم أن قوله: مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة ، فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية ، أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم . { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } . { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } . { أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } . قال المبرد: الغبرة ما يصيب الإنسان من الغبار ، وقوله: { ترهقها } أي تدركها عن قرب ، كقولك رهقت الجبل إذا لحقته بسرعة ، والرهق عجلة الهلاك ، والقترة سواد كالدخان ، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه ، كما ترى وجوه الزنوج إذا أغبرت ، وكأن الله تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة ، كما جمعوا بين الكفر والفجور ، والله أعلم . واعلم أن المرئجة والخوارج تمسكوا بهذه الآية ، أما المرجئة فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن أهل القيامة قسمان: أهل الثواب ، وأهل العقاب ، ودلت على أن أهل العقاب هم الكفرة ، وثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا بكفرة ، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من أهل الثواب ، وذلك يدل على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب ، وأما الخوارج فإنهم قالوا: دلت سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب ، ودلت هذه الآية على أن كل من يعاقب فإنه كافر ، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر والجواب: أكثر ما في الباب أن المذكور ههنا هو هذا الفريقان ، وذلك لا يقتضي نفي الفريق الثالث ، والله أعلم؛ والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت