والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك ، واشتغال الناس بأنفسهم كما قال: { يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم } [ الشعراء: 88 ، 98 ] وقال: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } [ الأنعام: 94 ] . والقول الثاني: أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء ، وهذا وإن كان مجازًا إلا أنه أشبه بسائر ما قبله ، وأيضًا فالعرب تشبه السحاب بالحامل ، قال تعالى: { فالحاملات وقرًا } [ الذاريات: 2 ] . الخامس: قوله تعالى: { وإذا الوحوش حُشِرَتْ } . كل شيء من دواب البر مما لا يستأنس فهو وحش ، والجمع الوحوش ، و { حشرت } جمعت من كل ناحية ، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، قال المعتزلة: إن الله تعالى يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك ، فإذا عوضت على تلك الآلام ، فإن شاء الله أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسنًا فعل ، وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر ، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق ، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء ، ثم يقال لها موتى فتموت ، والغرض من ذلك هذه القصة ههنا وجوه أحدها: أنه تعالى إذا كان ( يوم القيامة ) يحشر كل الحيوانات إظهارًا للعدل ، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن؟ الثاني: أنها تجتمع في موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحاري ، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم والثالث: أن هذه الحيوانات بعضها غذاء للبعض ، ثم إنها في ذلك اليوم تجتمع ولا يتعرض بعضها لبعض وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم ، وفي الآية قول آخر: لابن عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها ، يقال إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة ، وقرىء حشرت بالتشديد . السادس: قوله تعالى: { وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ } . قرىء بالتخفيف والتشديد ، وفيه وجوه: أحدها: أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها ، والشيء إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة ، فحينئذ لا يبقى في البحار شيء من المياه ألبتة ، ثم إن الجبال قد سيرت على ما قال: { وسيرت الجبال } [ النبأ: 20 ] وحينئذ تصير البحار والأرض شيئًا واحدًا في غاية الحرارة والإحراق ، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال ، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال ، فصار وجه الأرض مستويًا مع البحار ، ويصير الكل بحرًا مسجورًا وثانيها: أن يكون { سجرت } بمعنى { فجرت } وذلك لأن بين البحار حاجزًا على ما قال: