{ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكّيهِمْ } [ آل عمران: 77 ] ، وثالثها: قال القاضي: الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية ، فإنه قد يقال: حجب فلان عن الأمير ، وإن كان قد رآه من البعد ، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال ، بل يجب أن يحمل على صيرورته ممنوعًا عن وجدان رحمته تعالى ورابعها: قال صاحب «الكشاف» : كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم ، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم والجواب: لا شك أن من منع من رؤية شيء يقال: إنه حجب عنه ، وأيضًا من منع من الدخول على الأمير يقال: إنه حجب عنه ، وأيضًا يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة ، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع دفعًا للاشتراك في اللفظ ، وذلك هو المنع . ففي الصورة الأولى حصل المنع من الرؤية ، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه ، وفي الثالثة: حصل المنع من استحقاق الثلث ، فيصير تقدير الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون ، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى ، وهو إما العلم ، وإما الرؤية ، ولا يمكن حمله على العلم ، لأنه ثابت بالاتفاق للكفار ، فوجب حمله على الرؤية . أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل ، وكذا ما قاله صاحب «الكشاف» : ترك للظاهر من غير دليل ، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين . قال مقاتل: معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب ، لا يرون ربهم ، والمؤمنون يرون ربهم ، وقال الكلبي: يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون ، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه ، وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية ، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه لا بد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه ، وعن الشافعي لما حجب قومًا بالسخط دل على أن قومًا يرونه بالرضا ، أما قوله تعالى: { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم } فالمعنى لما صاروا محجوبين في عرصة القيامة إما عن رؤية الله على قولنا ، أو عن رحمة الله وكرامته على قول المعتزلة ، فعند ذلك يؤمر بهم إلى النار ثم إذا دخلوا النار ، وبخوا بتكذيبهم بالبعث والجزاء ، فقيل لهم: { هذا الذى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } في الدنيا ، والآن قد عاينتموه فذوقوه .