فهرس الكتاب

الصفحة 7959 من 8321

« اجعلوها في ركوعكم » ولما نزل قوله: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } قال: « اجعلوها في سجودكم » ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول: في ركوعه: « سبحان ربي العظيم » وفي سجوده: « سبحان ربي الأعلى » ثم من العلماء من قال: إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ } أي صل باسم ربك ، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى: { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم: 17 ] ورد في بيان أوقات الصلاة .

المسألة الرابعة: قرأ علي عليه السلام وابن عمر: ( سبحان ربي الأعلى * الذي خلق فسوى ) ولعل الوجه فيه أن قوله: { سَبِّحِ } أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله: سبحان ربي الأعلى .

المسألة الخامسة: تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله: { رَبّكَ الأعلى } والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال ، لأنه تعالى إما أن يكون متناهيًا أو غير متناه ، فإن كان متناهيًا كان طرفه الفوقاني متناهيًا ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول: بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضًا فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه ، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهيًا من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايرًا للجانب غير المتناهي فيكون مركبًا من جزأين ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، هذا محال . فثبت أن العلو ههنا ليس بمعنى العلو في الجهة ، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم ، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ، والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم ، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله: { الأعلى } بقوله: { الذي خَلَقَ فسوى } والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة .

المسألة السادسة: من الملحدين من قال: بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه ، أما العظيم فقوله: { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } وأما الأعلى منه فقوله: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه .

واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال ، ثم نقول ليس في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت