فهرس الكتاب

الصفحة 796 من 8321

وسادسها: أن قوله: { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول ، والتخلية بينهم وبينه كقوله: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } [ الأحزاب: 53 ] .

أما قوله تعالى: { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } فقد اختلفوا في الخزي ، فقال بعضهم: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد ، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب ، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه ، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة ، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم ، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم ، وفي الآية مسألتان:

المسألة الأولى: في أحكام المساجد وفيه وجوه . الأول: في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول ، أما القرآن فآيات ، أحدها: قوله تعالى: { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَدًا } [ الجن: 18 ] . أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله: { فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَدًا } . وثانيها: قوله تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الأخر } [ التوبة: 18 ] فجعل عمارة المسجد دليلًا على الإيمان ، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم ، لأن كلمة إنما للحصر . وثالثها: قوله تعالى: { فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والأصال } [ النور: 36 ] . ورابعها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه } فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالًا من المشرك لأن قوله: { ومن أظلم } يتناول المشرك لأنه تعالى قال: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان . وأما الأخبار ، فأحدها: ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان Bه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان Bه: سمعت النبي A يقول"من بنى لله مسجدًا بنى الله له كهيئته في الجنة". وفي رواية أخرى: «بنى الله له بيتًا في الجنة» . وثانيها: ما روى أبو هريرة أنه E قال:"أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت