[ التين: 4 ] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه ، فقال: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } ، وثانيها: أن كل حيوان فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا وثالثها: أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات ، وأما من حمله على جميع الحيوانات . قال: المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وأما من حمله على جميع المخلوقات ، قال: المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفًا بوصف الأحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب .
المسألة الثانية: قرأ الجمهور: { قدَّرَ } مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف ، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف فقال القفال: معناه ملك فهدى وتأويله: أنه خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من قال: هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى: { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون } [ المرسلات: 23 ] بالتشديد والتخفيف .
المسألة الثالثة: أن قوله: { قدَّرَ } يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقدارًا معلومًا على ما قال: { وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر: 21 ] وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات ، بل العالم كله من أعلى عليين إلى أسفل السافلين ، تفسير هذه الآية . وتفصيل هذه الجملة .
أما قوله: { فهدى } فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين ، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى ، وقوله: { فهدى } عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدرًا لفعل معين ، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة ، وللمفسرين فيه وجوه ، قال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها ، وقال آخرون: هداه للمعيشة ورعاه ، وقال آخرون: هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة ، وذلك لأنه جعله حساسًا دراكًا متمكنًا من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال: { إِنَّا هديناه السبيل إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [ الإنسان: 3 ] وقال: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [ الشمس: 8 7 ] وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء: قدر فهدى وأضل ، فاكتفى بذكر إحداهما: كقوله: