{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] وقال آخرون: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي } [ الشورى: 52 ] أي تدعو ، وقد دعى الكل إلى الإيمان ، وقال آخرون: هدى أي دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبريائه ، ونعوت صمديته ، وفردانيته ، وذلك لأن العاقل يرى في العالم أفعال محكمة متقنة منتسقة منتظمة ، فهي لا محالة تدل على الصانع القديم ، وقال قتادة في قوله: { فهدى } إن الله تعالى ما أكره عبدًا على معصية ، ولا على ضلالة ، ولا رضيها له ولا أمره بها ، ولكن رضي لكم الطاعة ، وأمركم بها ، ونهاكم عن المعصية ، واعلم أن هذه الأقوال على كثرتها لا تخرج عن قسمين ، فمنهم من حمل قوله: { فهدى } على ما يتعلق بالدين كقوله: { وهديناه النجدين } ومنهم من حمله على ما يرجع إلى مصالح الدنيا ، والأول أقوى ، لأن قوله: { خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ } يرجع إلى أحوال الدنيا ، ويدخل فيه إكمال العقل والقوى ، ثم أتبعه بقوله: { فهدى } أي كلفه ودله على الدين ، أما قوله تعالى: { والذي أَخْرَجَ المرعى } فاعلم أنه سبحانه لما بين ما يختص به الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير الناس من النعم: فقال: { والذي أَخْرَجَ المرعى } أي هو القادر على إنبات العشب لا الأصنام التي عبدتها الكفرة ، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ومن الثمار والزروع والحشيش ، قال ابن عباس: المرعى الكلأ الأخضر ، ثم قال: فجعله غثاء أحوى وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الغثاء ما يبس من النبت فحملته الأودية والمياه وألوت به الرياح ، وقال قطرب واحد الغثاء غثاءة .
المسألة الثانية: الحوة السواد ، وقال بعضهم: الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة ، وفي أحوى قولان: أحدهما: أنه نعت الغثاء أي صار بعد الخضرة يابسًا فتغير إلى السواد ، وسبب ذلك السواد أمور أحدها: أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء ، ومن شأن البرودة أنها تبيض الرطب وتسود اليابس وثانيها: أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود وثالثها: أن يحملها الريح فتلصق بها الغبار الكثير فتسود القول الثاني: وهو اختيار الفراء وأبي عبيدة ، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته ، كما قيل: { مُدْهَامَّتَانِ } [ الرحمن: 64 ] أي سوداوان لشدة خضرتهما ، والتقدير الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء ، كقوله: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا } [ الكهف: 1 ، 2 ] أي أنزل قيمًا ولم يجعل له عوجًا .