أما قوله: { التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } فالضمير في ( مثلها ) إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه: الأول: { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني: لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا ، وقرأ ابن الزبير { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي لم يخلق الله مثلها الثالث: أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد ، وعلى هذا فالعماد جمع عمد ، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى . أما قوله تعالى: { وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد } فقال الليث: الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوبًا . وزاد الفراء يجيب جيبًا ويقال: جبت البلاد جوبًا أي جلت فيها وقطعتها ، قال ابن عباس: كانوا يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتًا وأحواضًا وما أرادوا من الأبنية ، كما قال: { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا } [ الأعراف: 74 ] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود ، وبنوا ألفًا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، وقوله: { بالواد } قال مقاتل: بوادي القرى .
وأما قوله تعالى: { وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتاد } فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص ، ونقول: الآن فيه وجوه أحدها: أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها: أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا ، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته وثالثها: ذي الأوتاد ، أي ذي الملك والرجال ، كما قال الشاعر:
في ظل ملك راسخ الأوتاد ... ورابعها: روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله ، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك ، فبين الله تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى: { الذين طَغَوْاْ فِي البلاد } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه ، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم ، وهذا هو الأقرب .
المسألة الثانية: أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعًا على ( الإخبار ، أي ) هم الذين طغوا أو مجرورًا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون .