فهرس الكتاب

الصفحة 8009 من 8321

المسألة الثالثة: { طَغَوْاْ فِي البلاد } أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى: { فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد } ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم ، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى: { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } واعلم أنه يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . قال القاضي: وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: إن عند الله أسواطًا كثيرة فأخذهم بسوط منها ، فإن قيل: أليس أن قوله تعالى: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بما كسبوا مَّا تَرَكَ عَلى ظهرها من دَابَّةٍ } [ فاطر: 45 ] يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ قلنا: هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته . ثم قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } تقدم عند قوله: { كَانَتْ مِرْصَادًا } [ النبأ: 21 ] ونقول: المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه ، وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها: قال الحسن: يرصد أعمال بني آدم وثانيها: قال الفراء: إليه المصير ، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين والكافرين ، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار ، أو بوعيد العصاة ، أما الأول فقال الزجاج: يرصد من كفر به وعدل عن طاعته بالعذاب ، وأما الثاني فقال الضحاك: يرصد لأهل الظلم والمعصية ، وهذه الوجوه متقاربة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت