فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 8321

« إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من العذرة والبول والخلاء ، إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة » ثم دعا رسول الله A بدلو من ماء فصبوا عليه .

المسألة الثانية: اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو حنيفة مطلقًا ، وأباه مالك مطلقًا ، وقال الشافعي Bه: يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام ، احتج الشافعي بوجوه . أولها: قوله تعالى: { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة: 28 ] قال الشافعي: قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ المسجد الحرام } [ الإسراء: 1 ] وإنما أسرى به من بيت خديجة . فالآية دالة إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعًا ، فإن قيل: المراد به الحج ولهذا قال: { بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة ، قلنا: هذا ضعيف لوجوه . أحدها: إنه ترك للظاهر من غير موجب . الثاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم ، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام . الثالث: أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة . الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } [ التوبة: 28 ] فأراد به الدخول للتجارة . وثانيها: قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد ، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس ، أو بمن منع رسول الله A من العبادة في الكعبة ، وأيضًا فقوله: { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا: الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } ظاهر في العموم ، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر . وعن الثاني: أن الظاهر قوله: { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولدًا من الدخول بل من شيء آخر ، فسقط كلامهم . وثالثها: قوله تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } [ التوبة: 17 ] وعمارتها تكون بوجهين . أحدهما: بناؤها وإصلاحها . والثاني: حضورها ولزومها ، كما تقول: فلان يعمر مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي A: « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت