{ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } [ البقرة: 238 ] فأمسكنا عن الكلام ، ويكون بمعنى الدوام ، إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: { كُلٌّ لَّهُ قانتون } أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون ، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس ، فقيل لهؤلاء الكفار: ليسوا مطيعين ، فعند هذا قال آخرون: المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة ، وهو قول السدي ، فقيل لهؤلاء: هذه صفة المكلفين ، وقوله: { لَّهُ مَا فِي السموات } يتناول من لا يكون مكلفًا فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر . الأول: بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية . الثاني: كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء ، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة . الثالث: أراد به الملائكة وعزيرًا والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له ، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه ، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله ، فقال علي Bه: فإن كان عيسى إلهًا فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة ، فانقطع النصراني .
المسألة الثانية: لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه .
المسألة الثالثة: يقال كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله: { قانتون } جوابه: كأنه جاء بما دون من تحقيرًا لشأنهم .
أما قوله تعالى: { بَدِيعُ السموات والأرض } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال: وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة: سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعًا .
المسألة الثانية: اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه تعالى قال: { بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض } فبين بذلك كونه مالكًا لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضًا للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال: { وَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وفيه مسائل: