المسألة الأولى: قال بعض الأدباء: القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب «ق ض ى» وأصله «قضاي» إلا أن الياء لما وقعت طرفًا بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفًا ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظًا ، ومن نظائره المضاء والإتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول: قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل: حاكم فيصل إذا كان قاطعًا للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم: قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، وقولهم: قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات } [ فصلت: 12 ] وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعًا له وفراغًا منه ، ومنه: درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه: قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال: قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضًا على معنى القطع ، فأولها: قضبه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة ، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب: الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل . وثانيها؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعًا للمأكول ، وسيف قضيم: في طرفه تكسر وتفلل . وثالثها: القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي: نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ورابعها: القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة .