فهرس الكتاب

الصفحة 813 من 8321

المسألة الثانية: في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا: أنه يستعمل على وجوه . أحدها: بمعنى الخلق ، قوله تعالى: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات } يعني خلقهن . وثانيها: بمعنى الأمر قال تعالى: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } [ الإسراء: 23 ] . وثالثها: بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم: القاضي . ورابعًا: بمعنى الإخبار ، قال تعالى: { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب } [ الإسراء: 4 ] أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقرونًا بإلى . وخامسها: أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى: { فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } [ الأحقاف: 29 ] يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى: { وَقُضِىَ الأمر واستوت عَلَى الجودى } [ هود: 44 ] يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال: { لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } [ الحج: 29 ] بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { إِذَا قَضَى أَمْرًا } [ آل عمران: 47 ] قيل: إذا خلق شيئًا ، وقيل: حكم بأنه يفعل شيئًا ، وقيل: أحكم أمرًا ، قال الشاعر:

وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه .

المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: { كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران: 47 ] بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين: في أول آل عمران: { كُنْ فَيَكُونُ الحق } [ آل عمران: 59 ، 60 ] وفي الأنعام: { كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } [ الأنعام: 73 ] فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون .

المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران: 47 ] هو أنه تعالى يقول له: { كُنَّ } فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . الأول: أن قوله: { كُنْ فَيَكُونُ } إما أن يكون قديمًا أو محدثًا والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على { كُنَّ } إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قديمًا لوجوه . الأول: أن كلمة { كُنَّ } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقًا بالكاف لا بد وأن يكون محدثًا ، والكاف لكونه متقدمًا على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثًا . الثاني: أن كلمة { إِذَا } لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثًا لأنه دخل عليه حرف { إِذَا } وقوله { كُنَّ } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال: { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ } والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون: { كُنَّ } قديمًا . الثالث: أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله: { كُنَّ } بفاء التعقيب فيكون قوله: { كُنَّ } مقدمًا على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثًا فقوله: { كُنَّ } لا يجوز أن يكون قديمًا ، ولا جائز أيضًا أن يكون قوله: { كُنَّ } محدثًا لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: { كُنَّ } وقوله: { كُنَّ } أيضًا محدث فيلزم افتقار: { كُنَّ } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله: { كُنَّ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت