فهرس الكتاب

الصفحة 8132 من 8321

المسألة الثالثة: ذكروا في الروح أقوالًا أحدها: أنه ملك عظيم ، لو التقم السموات والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة وثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر ، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد وثالثها: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ، ولا من الإنس ، ولعلهم خدم أهل الجنة ورابعها: يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه اسمه ، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائك ليطلع على أمة محمد وخامسها: أنه القرآن: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] وسادسها: الرحمة قرىء: { لا تيأسوا من روح الله } [ يوسف: 87 ] بالرفع كأنه تعالى ، يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وسابعها: الروح أشرف الملائكة وثامنها: عن أبي نجيح الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب ، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح ، والأصح أن الروح ههنا جبريل . وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة والروح في كفة .

أما قوله تعالى: { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا ، فإن قيل: كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا؟ قلنا: إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روي أنهم يطالعون اللوح ، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة ، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها ، فحينئذ يقول: سبحان من أظهر الجميل ، وستر على القبيح ، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السموات أحدها: أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون الله ، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السموات وثانيها: أنهم يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السموات وثالثها: أنه تعالى قال: « لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين » فقالوا: تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتًا هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا ، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين ، وأنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض والسموات ( وهذه هي المسألة الأولى ) .

المسألة الثانية: هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } [ مريم: 64 ] وقوله: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول } [ الأنبياء: 27 ] وفيها دقيقة وهي أنه تعالى لم يقل: مأذونين بل قال: { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفًا ما إلا بإذنه ، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني ، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت