المسألة الثالثة: قوله: { رَّبُّهُمْ } يفيد تعظيمًا للملائكة وتحقيرًا للعصاة ، كأنه تعالى قال: كانوا لي فكنت لهم ، ونظيره في حقنا: { إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض } وقال لمحمد عليه السلام: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } ونظيره ما روي أن داود لما مرض مرض الموت قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي ، فنزل الوحي وقال: قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي ، وروي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أيامًا فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفًا فإذا بخيمة ، فنادى أتريدون الضيف؟ فقيل: نعم ، فقال للمضيف: أيوجد عندك إدام لبن أو عسل؟ فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل ، فتعجب إبراهيم وقال: إلهي أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام ، فماله؟ فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له .
أما قوله تعالى: { مّن كُلّ أَمْرٍ } فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر ، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر ، ثم ذكروا فيه وجوهًا أحدها: أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود ، وبعضهم بالدعاء ، وكذا القول في التفكر والتعليم ، وإبلاغ الوحي ، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين وثانيها: وهو قول الأكثرين من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر ، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة ، فكأنهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا ، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين ، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بيانًا منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول: من أين جئت؟ فيقول: مالك وهذا الفضول ، ولكن قل: لأي أمر جئت لأنه حظك وثالثها: قرأ بعضهم: { مِن كُلّ امرىء } أي من أجل كل إنسان ، وروي أنهم لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه ، قيل: أليس أنه قد روي أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان ، والآن تقولون: إن ذلك يكون ليلة القدر؟ قلنا: عن النبي A أنه قال: « إن الله يقدر المقادير في ليلة البراءة ، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها » وقيل: يقدر ليلة البراءة الآجال والأرزاق ، وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة ، وقيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين ، وما فيه النفع العظيم للمسلمين ، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت .