فهرس الكتاب

الصفحة 8144 من 8321

{ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا } [ التوبة: 21 ] .

أما قوله تعالى: { حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة } ففيه أقوال:

الأول: قال مجاهد: متبعين دين إبراهيم عليه السلام ، ولذلك قال: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } [ النحل: 123 ] وهذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضًا بالكلية ، فلا جرم ذكر قومًا أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم ، وهو إبراهيم ومن معه ، فقال: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبراهيم والذين مَعَهُ } [ الممتحنة: 4 ] فكأنه تعالى قال: إن كنت تقلد أحدًا في دينك ، فكن مقلدًا إبراهيم ، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران ، ومن ماحين بذله للضيفان ، ومن ولده حين بذله للقربان ، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه ، ولم ير شخصًا فاستعاده ، فقال: أما بغير أجر فلا ، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام ، وقال: حق لك حيث سماك خليلًا فخذ مالك ، فإن القائل: كنت أنا ، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال: أما إليك فلا ، فالحق سبحانه كأنه يقول: إن كنت عابدًا فاعبد كعبادته ، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السلاطين ، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين ، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم ، فاجتهد في متابعة ولده الصبي ، كيف إنقاد لحكم ربه مع صغره ، فمد عنقه لحكم الرؤيا ، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل ، وهو أم الذبيح ، كيف تجرعت تلك الغصة ، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الإثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإراث ، والرقيقة نصف الحرة بدليل أن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل ، ثم انظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف ، لا يكلمها ولا يعطف عليها ، قالت آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه نعم ، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاق .

والقول الثاني: المراد من قوله: { حُنَفَاء } أي مستقيمين والحنف هو الاستقامة ، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل ، كقولنا: للأعمى بصير وللمهلكة مفازة ، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } [ فصلت: 30 ] { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة: 6 ] .

والقول الثالث: قال ابن عباس Bهما حجاجًا ، وذلك لأنه ذكر العباد أولًا ثم قال: { حُنَفَاء } وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة وإنفاق مال الرابع: قال أبو قلابة الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم يستثن أحدًا منهم ، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفًا الخامس: حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين ، قال عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت