"بعثن بالحنيفية السهلة السمحة"السادس: قال قتادة: هي الختان وتحريم نكاح المحارم أي مختونين محرمين لنكاح الأم والمحارم ، فقوله: { حُنَفَاء } إشارة إلى النفي ، ثم أردفه بالإثبات ، وهو قوله: { وَيُقِيمُواْ الصلاة } السابع: قال أبو مسلم: أصله من الحنف في الرجل ، وهو إدبار إبهامها عن أخواتها حتى يقبل على إبهام الأخرى ، فيكون الحنيف هو الذي يعدل عن الأديان كلها إلى الإسلام الثامن: قال الربيع بن أنس: الحنيف الذي يستقبل القبلة بصلاته ، وإنما قال ذلك لأنه عند التكبير يقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ، وأما الكلام في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقد مر مرارًا كثيرة ، ثم قال: { وَذَلِكَ دِينُ القيمة } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال المبرد والزجاج: ذلك دين الملة القيمة ، فالقيمة نعت لموصوف محذوف ، والمراد من القيمة إما المستقيمة أو القائمة ، وقد ذكرنا هذين القولين في قوله: { كُتُبٌ قَيّمَةٌ } وقال الفراء: هذا من إضافة النعت إلى المنعوت ، كقوله: { إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين } [ الواقعة: 95 ] والهاء للمبالغة كما في قوله: { كُتُبٌ قَيّمَةٌ } .
المسألة الثانية: في هذه الآية لطائف إحداها: أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معًا ، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول ، وهم اليهود والنصارى والمجوس ، فإنهم ربما أتعبوا أنفسهم في الطاعات ، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق ، وقوم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع ، وهم المرجئة الذين قالوا: لا يضر الذنب مع الإيمان ، والله تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية ، وبين أنه لا بد من العلم والإخلاص في قوله: { مُخْلِصِينَ } ومن العمل في قوله: { وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة } ثم قال: { وذلك } المجموع كله هو { دِينُ القيمة } أي البينة المستقيمة المعتدلة ، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هو المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقاد ووجهه الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك وبالصدقة يظهر قدر دينك ، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول: القائم بتحصيل مصالحك عاجلًا وآجلًا هو هذا المجموع ، ونظيره قوله تعالى: { دِينًا قِيَمًا } [ الأنعام: 161 ] وقوله في القرآن: { قَيِّمًا لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } [ الكهف: 2 ] لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق ، ويؤيده قوله عليه السلام:"من كان في عمل الله كان الله في عمله"وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «يا دنيا من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه» ، وثانيها: أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه وذلك بالإحسان إلى عبيده والملائكة ، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح ، لخالقهم فالإحسان من الله لا من الملائكة ، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من الله ، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول الله مباهيًا بهم: ملائكتي هؤلاء أمثالكم سبحوا وهللوا ، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا وتصدقوا ، ثم إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظموني بمجرد ما فعلت من الإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين؛ أقاموا الصلاة أتوا بالعبودية وآتوا الزكاة أتوا بالإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم صبروا على الأمرين ، فتتعجب الملائكة منهم وينصبون إليهم النظارة ، فلهذا قال: