{ واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر: 99 ] فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد ، ثم قال: { من تحتها } إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص في البستان ، إما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم ، وإما بسبب الغرق والكثرة ، فذكر من تحتها ، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن ، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر ، واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء ، فلا تسمى الساقية نهرًا ، بل العظيم هو الذي يسمى نهرًا بدليل قوله: { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِى البحر بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار } [ إبراهيم: 32 ] فعطف ذلك على البحر .
المسألة الثامنة: اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولًا والرضا ثانيًا ، وروى أنه عليه السلام قال: « إن الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة » .
أما الصفة الأولى: وهي الخلود ، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل .
وأما الصفة الثانية: وهي الرضا ، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح ، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب ، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح ، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله ، ثم إنه قدم رضى الله عنهم على قوله: { وَرَضُواْ عَنْهُ } لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث ، والمحدث لا يؤثر في الأزلي .
المسألة التاسعة: إنما قال: { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } ولم يقل رضي الرب عنهم ولا سائر الأسماء لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله ، لأنه هو الاسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام ، فلو قال: رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل ، أما لفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة ، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله: { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة .
المسألة العاشرة: اختلفوا في قوله: { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } فقال بعضهم: معناه رضي أعمالهم ، وقال بعضهم: المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال: لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ، وهذا هو الأقرب ، وأما قوله: { وَرَضُواْ عَنْهُ } فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب .
أما قوله تعالى: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى: { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }