المسألة الثالثة: قوله: { ألهاكم } يحتمل أن يكون إخبارًا عنهم ، ويحتمل أن يكون استفهامًا بمعنى التوبيخ والتقريع أي أألهاكم ، كما قرىء { أنذرتهم } و { أأنذرتهم } [ البقرة: 6 ] ، و { إذا كنا عظامًا } و { أئذا كنا عظامًا } [ الإسراء: 49 ] .
المسألة الرابعة: الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم ، ومن ذلك ما روي من تفاخر العباس بأن السقاية بيده ، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي عليه السلام: وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج } [ التوبة: 19 ] الآية وذكرنا في تفسير قوله تعالى: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } [ الضحى: 11 ] أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به ، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم ، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ، هو المحمود ، وهو أصل الخيرات ، فالألف واللام في التكاثر ليسا للاستغراق ، بل للمعهود السابق ، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها ، فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته ، ولما كان ذلك مقررًا في العقول ومتفقًا عليه في الأديان ، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه .
المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه أحدها: ألهاكم التكاثر بالعدد . روي أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال: بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ، ففعلوا فزاد بنو سهم ، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن ، لأن قوله: { حتى زُرْتُمُ المقابر } يدل على أنه أمر مضى . فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ، ويقول هب أنكم أكثر منهم عددًا فماذا ينفع ، والزيارة إتيان الموضع ، وذلك يكون لأغراض كثيرة ، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة » ثم إنكم زرتم القبور ، بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض التعجيب .
والقول الثاني: أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ، أنه عليه السلام كان يقرأ: { ألهاكم } وقال ابن آدم: يقول مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنبت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، والمراد من قوله: { حتى زُرْتُمُ المقابر } أي حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت ، يقال لمن مات: زار قبره وزار رمسه ، قال جرير للأخطل:
زار القبور أبو مالك ... فأصبح ألأم زوارها
أي مات فيكون معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ، وأنتم على ذلك ، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين الأول: أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف ، والميت يبقى في قبره ، فكيف يقال: إنه زار القبر؟ والثاني: أن قوله: { حتى زُرْتُمُ المقابر } إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل على المستقبل؟ والجواب: عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر ، لكن لا بد له من الرحيل ، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب والجواب: عن السؤال الثاني من وجوه أحدها: يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفًا على الموت بسبب الكبر ، ولذلك يقال فيه: إنه على شفير القبر وثانيها: أن الخبر عمن تقدمهم وعظًا لهم ، فهو كالخبر عنهم ، لأنهم كانوا على طريقتهم ، ومنه قوله تعالى: