فهرس الكتاب

الصفحة 8212 من 8321

[ البقرة: 106 ] لأنا نقول: الفرق أن مالا يتصور إدراكه لا يستعمل فيه إلا العلم لكونه قادرًا ، وأما الذي يتصور إدراكه كفرار الفيل ، فإنه يجوز أن يستعمل فيه الرؤية .

السؤال الثاني: لم قال: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } ولم يقل: ألم تر ما فعل ربك؟ الجواب: لأن الأشياء لها ذوات ، ولها كيفيات باعتبارها يدل على مداومتها وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل ، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ولهذا قال: { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بنيناها } [ ق: 6 ] ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على قدرة الصانع وعلمه وحكمته ، وكانت دالة على شرف محمد A ، وذلك لأن مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا لنبوتهم وإرهاصًا لها ، ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله ، وعند المعتزلة أن ذلك لا يجوز ، فلا جرم زعموا أنه لا بد وأن يقال: كان في ذلك الزمان نبي ( أو خطيب ) كخالد بن سنان أو قس بن ساعدة ، ثم قالوا: ولا يجب أن يشتهر وجودهما ، ويبلغ إلى حد التواتر ، لاحتمال أنه كان مبعوثًا إلى جمع قليلين ، فلا جرم لم يشتهر خبره .

واعلم أن قصة الفيل واقعة على الملحدين جدًا ، لأنهم ذكروا في الزلازل والرياح والصواعق وسائر الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم أعذارًا ضعيفة ، أما هذه الواقعة فلا تجري فيها تلك الأعذار ، لأنها ليس في شيء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة ، فتقصد قومًا دون قوم فتقتلهم ، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين عام الفيل ومبعث الرسول إلا نيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة كان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة ، ولو كان النقل ضعيفًا لشافهوه بالتكذيب ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه .

السؤال الثالث: لم قال: { فِعْلَ } ولم يقل: جعل ولا خلق ولا عمل؟ الجواب: لأن خلق يستعمل لابتداء الفعل ، وجعل للكيفيات قال تعالى: { خُلِقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام: 1 ] وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كانت عليه ، وسألوه أن يحفظ البيت ، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة ، فلو ذكر الألفاظ الثلاثة لطال الكلام فذكر لفظًا يشمل الكل .

السؤال الرابع: لما قال: { ربك } ، ولم يقل: الرب؟ الجواب: من وجوه أحدها: كأنه تعالى قال: إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة الأوثان ، وأنت يا محمد ما شاهدته ثم اعترفت بالشكر والطاعة ، فكأنك أنت الذي رأيت ذلك الانتقام ، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك من الكل ، فأقول: ربك ، أي أنا لك ولست لهم بل عليهم وثانيها: كأنه تعالى قال: إنما فعلت بأصحاب الفيل ذلك تعظيمًا لك وتشريفًا لمقدمك ، فأنا كنت مربيًا لك قبل قومك ، فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك ، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت