{ إِنَّا أنزلناه } [ القدر: 1 ] متعلق بما قبله من ذكر القرآن ، وأما قوله: إن أبيًا لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما ، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين .
البحث الثاني: فيما يتعلق بهذا القول بيان أنه لم صار ما فعله الله بأصحاب الفيل سببًا لإيلاف قريش؟ فنقول: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } إلى قوله: { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وارزقهم مّنَ الثمرات } [ إبراهيم: 37 ] فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحتلين ، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب ، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم ، ولأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة ، ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله ، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة ، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم ، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب ، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر ، فلهذا قال الله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش . . . رحلة الشتاء والصيف } . والوجه الثاني: فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة: { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذى } [ قريش: 3 ، 4 ] إشارة إلى أول سورة الفيل ، كأنه قال: فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل ، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتبًا على إيصال المنفعة ، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة .
القول الثاني: وهو أن اللام في: { لإيلاف } متعلقة بقوله: { فَلْيَعْبُدُواْ } وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي: ليجعلوا عبادتهم شكرًا لهذه النعمة واعترافًا بها ، فإن قيل: فلم دخلت الفاء في قوله: { فَلْيَعْبُدُواْ } ؟ قلنا: لما في الكلام من معنى الشرط ، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى ، فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة .