فهرس الكتاب

الصفحة 8220 من 8321

القول الثالث: أن تكون هذه اللام غير متعلقة ، لا بما قبلها ولا بما بعدها ، قال الزجاج: قال قوم: هذه اللام لام التعجب ، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش ، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غيًا وجهلًا وانغماسًا في عبادة الأوثان ، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم ، وينظم أسباب معايشهم ، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه ، ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به ولزيد وكرامتنا إياه وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء .

المسألة الثانية: ذكروا في الإيلاف ثلاثة أوجه أحدها: أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة: ألفت الشيء وألفته إلفًا وإلافًا وإيلافًا بمعنى واحد ، أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر: ( لإلف قريش ) . وقرأ الآخرون ( لإلاف قريش ) ، وقرأ عكرمة ( ليلاف قريش ) وثانيها: أن يكون هذا من قولك: لزمت موضع كذا وألزمنيه الله ، كذا تقول: ألفت كذا ، وألفنيه الله ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي فيه لطف ألف بنفسه إلفًا وآلفه غيره إيلافًا ، والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله: { ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } [ الأنفال: 63 ] وقال: { فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } [ آل عمران: 13 ] وقد تكون المسرة سببًا للمؤانسة والاتفاق ، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش ، فيكون المصدر ههنا مضافًا إلى المفعول ، ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشًا ملازمين لرحلتيهم وثالثها: أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابي فيكون المصدر على هذا القول مضافًا إلى الفاعل ، والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر ( ليلاف ) بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفًا كليًا وهو كمذهبه في { يستهزءون } [ الأنعام: 5 ] وقد مر تقريره .

المسألة الثالثة: التكرير في قوله: { لإيلاف قُرَيْشٍ إيلافهم } هو أنه أطلق الإيلاف أولًا ثم جعل المقيد بدلًا لذلك المطلق تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا لعظيم المنة فيه ، والأقرب أن يكون قوله: { لإيلاف قُرَيْشٍ } عامًا يجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم ، فيدخل فيه مقامهم وسيرهم وجميع أحوالهم ، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله: { وَجِبْرِيلُ وميكائيل } [ البقرة: 98 ] وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة ، تقول العرب: ألفت كذا أي لزمته ، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر ، وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه ءذا أحب المرء شيئًا لزمه ، ومنه: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } [ الفتح: 26 ] كما أن الإلجاء ضربان أحدهما: لدفع الضرر كالهرب من السبع والثاني: لطلب النفع العظيم ، كمن يجد مالًا عظيمًا ولا مانع من أخذه لا عقلًا ولا شرعًا ولا حسًا فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ ، وكذا الدواعي التي تكون دون الالجاء ، مرة تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع ، وهو المراد في قوله: { إيلافهم } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت