السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله: { مِن جُوعٍ } ؟ الجواب: فيه فوائد أحدها: التنبيه على أن أمر الجوع شديد ، ومنه قوله تعالى: { وَهُوَ الذى يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } [ الشورى: 28 ] وقوله A: « من أصبح آمنًا في سربه » الحديث وثانيها: تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة وثالثها: التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة ، لأنه لم يقل: وأشبعهم لأن الطعام يزيل الجوع ، أما الإشباع فإنه يورث البطنة .
أما قوله تعالى: { وآمنهم من خوف } ففي تفسيره وجوه أحدها: أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد ، ولا يغير عليهم أحد لا في سفرهم ، ولا في حضرهم وكان غيرهم لا يأمنون من الغارة في السفر والحضر ، وهذا معنى قوله: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا } [ العنكبوت: 67 ] ثانيها: أنه آمنهم من زحمة أصحاب الفيل وثالثها: قال الضحاك والربيع: وآمنهم من خوف الجزام ، فلا يصيبهم ببلدتهم الجذام ورابعها: آمنهم من خوف أن تكون الخلافة في غيرهم وخامسها: آمنهم بالإسلام ، فقد كانوا في الكفر يتفكرون ، فيعلمون أن الدين الذي هم عليه ليس بشيء ، إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذي يجب على العاقل أن يتمسك به وسادسها: أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحي ، وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى ، كأنه تعالى يقول: يا أهل مكة كنتم قبل مبعث محمد تسمون جهال العرب وأجلافهم ، ومن كان ينازعكم كانوا يسمون أهل الكتاب ، ثم أنزلت الوحي على نبيكم ، وعلمتكم الكتاب والحكمة حتى صرتم الآن تسمون أهل العلم والقرآن ، وأولئك يسمون جهال اليهود والنصارى ، ثم إطعام الطعام الذي يكون غذاء الجسد يوجب الشكر ، فإطعام الطعام الذي هو غذاء الروح ، ألا يكون موجبًا للشكر! وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول: لم لم يقل: عن جوع وعن خوف؟ قلنا: لأن معنى عن أنه جعل الجوع بعيدًا عنهم ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك التبعيد مسبوقًا بمقاساة الجوع زمانًا ، ثم يصرفه عنه ، و ( من ) لا تقتضي ذلك ، بل معناه أنهم عندما يجوعون يطعمون ، وحين ما يخافون يؤمنون .
السؤال الثاني: لم قال: من جوع ، من خوف على سبيل التنكير؟ الجواب: المراد من التنكير التعظيم . أما الجوع فلما روينا: أنه أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة . وأما الخوف ، فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل ، ويحتمل أن يكون المراد من التنكير التحقير ، يكون المعنى أنه تعالى لما لم يجوز لغاية كرمه إبقاءهم في ذلك الجوع القليل والخوف القليل ، فكيف يجوز في كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه: أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ دون جوع: وآمنهم من خوف دون خوف ، ليكون الجوع الثاني ، والخوف الثاني مذكرًا ما كانوا فيه أولًا من أنواع الجوع والخوف ، حتى يكونوا شاكرين من وجه ، وصابرين من وجه آخر ، فيستحقوا ثواب الخصلتين .