أما الشبهة الأولى: فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للقدرة ، فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة .
وأما الشبهة الثانية: فالجواب عنها: أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها .
وأما الشبهة الثالثة: فالجواب عنها: أن الله تعالى لا يعلم عددها ، ولا يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد ، لم يلزم من قولنا: أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل .
وأما الشبهة الرابعة: فالجواب عنها: أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره ، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير ، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئًا واحدًا إلا إذا علم أمورًا لا نهاية لها .
وأما الشبهة الخامسة: فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالمًا عن المعارض ، وبالله التوفيق .
المسألة الثالثة: اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائدًا إلى مذكور سابق ، فالضمير إما أن يكون متقدمًا على المذكور لفظًا ومعنى ، وإما أن يكون متأخرًا عنه لفظًا ومعنى ، وإما أن يكون متقدمًا لفظًا ومتأخرًا معنى ، وإما أن يكون بالعكس منه . أما القسم الأول: وهو أن يكون متقدمًا لفظًا ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز ، وقال ابن جني بجوازه ، واحتج عليه بالشعر والمعقول ، أما الشعر فقوله:
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز . القسم الثاني: وهو أن يكون الضمير متأخرًا لفظًا ومعنى ، وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك: ضرب زيد غلامه . القسم الثالث: أن يكون الضمير متقدمًا في اللفظ متأخرًا في المعنى وهو كقولك: ضرب غلامه زيد ، فههنا الضمير وإن كان متقدمًا في اللفظ لكنه متأخر في المعنى ، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت: زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزًا . القسم الرابع: أن يكون الضمير متقدمًا في المعنى متأخرًا في اللفظ ، وهو كقوله تعالى: { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ } فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب ، فيصير التقدير: وإذ ابتلى ربه إبراهيم ، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدمًا في اللفظ بل كان متأخرًا لا جرم كان جائزًا حسنًا .