المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: ( إبراهام ) بألف بين الهاء والميم ، والباقون ( إبراهيم ) وهما لغتان ، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة Bه ( إبراهيم ربه ) برفع إبراهيم ونصب ربه ، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا .
المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟ فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد A ، فإن هذه الأشياء أمور شاقة ، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو النبوة ، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة ، لأن النبي A يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة ، وأن لا يخون في أداء شيء منها ، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق ، ولهذا قلنا: إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره ، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه ، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل E بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره ، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمدًا A في آخر الزمان ، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى ، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية ، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية: تكاليف شاقة شديدة ، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك ، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل ، وقال: إني جاعلك للناس إمامًا ، بل قال: { إنى جاعلك } فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة ، واعترض القاضي على هذا القول فقال: هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: إني جاعلك للناس إمامًا فأتمهن ، إلا أنه ليس كذلك ، بل ذكر قوله: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } بعد قوله: { فَأَتَمَّهُنَّ } وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط ، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد A ، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء ، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال ، ثم أخبر عنه أنه أتمها ، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل ، وهذا مما لا يعد فيه . القول الثاني: أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين ، أحدهما: بكلمات كلفه الله بهن ، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال: { وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } مما شاء كلفه بالأمر بها . والوجه الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه ، أي يبلغهم إياها ، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال . أحدها: قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضًا في شرعه وهي سنة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما التي في الرأس: فالمضمضة ، والإستنشاق وفرق الرأس ، وقص الشارب ، والسواك ، وأما التي في البدن: فالختان ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، والاستنجاء بالماء . وثانيها: قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة: