فهرس الكتاب

الصفحة 8238 من 8321

ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين ، فبدأ بذكر صفات الله وشرح جلاله ، وهو سورة: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق } ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية ، وعند ذلك ختم الكتاب ، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل ، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم .

الفائدة الثانية: في قوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } هي أن كلمة: { إِنّا } تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم .

أما الأول: فقد دل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع ، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم إرسالك ، فقال: { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ } [ البقرة: 129 ] وقال موسى: رب اجعلني من أمة أحمد . وهو المراد من قوله: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغربى إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر } [ القصص: 44 ] وبشر بك المسيح في قوله: { وَمُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ }

[ الصف: 6 ] وأما الثاني: وهو أن يكون ذلك محمولًا على التعظيم ، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السموات والأرض والموهوب منه ، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى: { إِنَّا أعطيناك } والهبة هي الشيء المسمى بالكوثر ، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة ، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب ، فيالها من نعمة ما أعظمها ، وما أجلها ، وياله من تشريف ما أعلاه .

الفائدة الثالثة: أن الهدية وإن كانتقليلة لكنها بسبب كونها واصلة من المهدي العظيم تصير عظيمة ، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك إكرامًا عظيمًا ، لا لأن لذة الهدية في نفسها ، بل لأن صدورها من المهدي العظيم يوجب كونها عظيمة ، فههنا الكوثر وإن كان في نفسه في غاية الكثرة ، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق يزداد عظمة وكمالًا .

الفائدة الرابعة: أنه لما قال: { أعطيناك } قرن به قرينة دالة على أنه لا يسترجعها ، وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز للأجنبي أن يسترجع موهوبه ، فإن أخذ عوضًا وإن قل لم يجز له ذلك الرجوع ، لأن من وهب شيئًا يساوي ألف دينار إنسانًا ، ثم طلب منه مشطًا يساوي فلسًا فأعطاه ، سقط حق الرجوع فههنا لما قال: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } طلب منه الصلاة والنحر وفائدته إسقاط حق الرجوع .

الفائدة الخامسة: أنه بنى الفعل على المبتدأ ، وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنك لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصبر مشتاقًا إلى معرفة أنه بماذا يخبر عنه ، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفى الشبهة ومن ههنا تعرف الفخامة في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت