فهرس الكتاب

الصفحة 8239 من 8321

{ فَإِنَّهَا لاَ تعمى الابصار } [ الحج: 46 ] فإنه أكثر فخامة مما لو قال: فإن الأبصار لا تعمى ، ومما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له: أنا أعطيك ، أنا أكفيك ، أنا أقوم بأمرك . وذلك إذا كان الموعود به أمرًا عظيمًا . فلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك في الوفاء به ، فإذا أسند إلى المتكفل العظيم ، فحينئذ يزول ذلك الشك ، وهذه الآية من هذا الباب لأن الكوثر شيء عظيم ، قلما تقع المسامحة به . فلما قدم المبتدأ ، وهو قوله: { إنا } صار ذلك الإسناد مزيلًا لذلك الشك ودافعًا لتلك الشبهة .

الفائدة السادسة: أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجاري محرى القسم ، وكلام الصادق مصون عن الخلف ، فكيف إذا بالغ في التأكيد .

الفائدة السابعة: قال: { أعطيناك } ولم يقل: سنعطيك لأن قوله: { أعطيناك } يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلًا في الماضي ، وهذا فيه أنواع من الفوائد إحداها: أن من كان في الزمان الماضي أبدًا عزيزًا مرعي الجانب مقضي الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك ، ولهذا قال عليه السلام: « كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين » وثانيها: أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد والإشقاء والإغناء والإفقار ، ليس أمرًا يحدث الآن ، بل كان حاصلًا في الأزل وثالثها: كأنه يقول: إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية! ورابعها: كأنه تعالى يقول: نحن ما اخترناك وما فضلناك ، لأجل طاعتك ، وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد إقدامك على الطاعة ، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل والإحسان منا إليك من غير موجب ، وهو إشارة إلى قوله E: « قبل من قبل لا لعلة ، ورد من رد لا لعلة »

الفائدة الثامنة: قال: { أعطيناك } ولم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع ، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف ، فلما قال: { أعطيناك } علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلًا بل هي محض الاختيار والمشيئة ، كما قال: { نَحْنُ قَسَمْنَا } [ الزخرف: 32 ] { الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلًا وَمِنَ الناس } [ الحج: 75 ]

الفائدة التاسعة: قال أولًا: { إِنَّا أعطيناك } ثم قال ثانيًا: { فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر } وهذا يدل على أن إعطاؤه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا ، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا ، وصفة الخلق لا تكون مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق في صفة الخلق ، ولهذا نقل عن الواسطي أنه قال: لا أعبد ربًا يرضيه طاعتي ويسخطه معصيتي . ومعناه أن رضاه وسخطه قديمان وطاعتي ومعصيتي محدثتان والمحدث لا أثر له في قديم ، بل رضاه عن العبد هو الذي حمله على طاعته فيما لا يزال ، وكذا القول في السخط والمعصية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت