فهرس الكتاب

الصفحة 8240 من 8321

الفائدة العاشرة: قال: { أعطيناك الكوثر } ولم يقل: آتيناك الكوثر ، والسبب فيه أمران الأول: أن الإيتاء يحتمل أن يكون واجبًا وأن يكون تفضلًا ، وأما الإعطاء فإنه بالتفضل أشبه فقوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } يعني هذه الخيرات الكثيرة وهي الإسلام والقرآن والنبوة والذكر الجميل في الدنيا والآخرة ، محض التفضل منا إليك وليس منه شيء على سبيل الاستحقاق والوجوب ، وفيه بشارة من وجهين أحدهما: أن الكريم إذا شرع في التربية على سبيل التفضل ، فالظاهر أنه لا يبطلها ، بل كان كل يوم يزيد فيها الثاني: أن ما يكون سبب الاستحقاق ، فإنه يتقدر بقدر الاستحقاق ، وفعل العبد متناه ، فيكون الاستحقاق الحاصل بسببه متناهيًا ، أما التفضل فإنه نتيجة كرم الله غير متناه ، فيكون تفضله أيضًا غير متناه ، فلما دل قوله: { أعطيناك } على أنه تفضل لا استحقاق أشعر ذلك بالدوام والتزايد أبدًا . فإن قيل: أليس قال: { آتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني } ؟ قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك ، والملك سبب الاختصاص ، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: { هَبْ لِى مَلَكًا } فقال [ ص: 35 ] : { هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ } [ ص: 39 ] ولهذا السبب من حمل الكوثر على الحوض قال: الأمة تكون أضيافًا له ، أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك ، فلهذا قال في القرآن: { ءاتيناك } فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئًا منه الثاني: أن الشركة في القرآن شركة في العلوم ولا عيب فيها ، أما الشركة في النهر ، فهي شركة في الأعيان وهي عيب الوجه الثاني: في بيان أن الإعطاء أليق بهذا المقام من الإيتاء ، هو أن الإعطاء يستعمل في القليل والكثير ، قال الله تعالى: { وأعطى قَلِيلًا وأكدى } [ النجم: 34 ] أما الإيتاء ، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم ، قال الله تعالى: { وآتاه الله الملك } [ البقرة: 251 ] { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلًا } [ سبأ: 10 ] والأتي السيل المنصب ، إذا ثبت هذا فقوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } يفيد تعظيم حال محمد A من وجوه أحدها: يعني هذا الحوض كالشيء القليل الحقير بالنسبة إلى ما هو مدخر لك من الدرجات العالية والمراتب الشريفة ، فهو يتضمن البشارة بأشياء هي أعظم من هذا المذكور وثانيها: أن الكوثر إشارة إلى الماء ، كأنه تعالى يقول: الماء في الدنيا دون الطعام ، فإذا كان نعيم الماء كوثرًا ، فكيف سائر النعيم وثالثها: أن نعيم الماء إعطاء ونعيم الجنة إيتاء ورابعها: كأنه تعالى يقول: هذا الذي أعطيتك ، وإن كان كوثرًا لكنه في حقك إعطاء لا إيتاء لأنه دون حقك ، وفي العادة أن المهدي إذا كان عظيمًا فالهدية وإن كانت عظيمة ، إلا أنه يقال: إنها حقيرة أي هي حقيرة بالنسبة إلى عظمة المهدي له فكذا ههنا وخامسها: أن نقول: إنما قال فيما أعطاه من الكوثر أعطيناك لأنه دنيا ، والقرآن إيتاء لأنه دين وسادسها: كأنه يقول: جميع ما نلت مني عطية وإن كانت كوثرًا إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفرًا وخصمك أبتر ، فإنا أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر ، أما الذكر الباقي والظفر على العدو فلا يحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة بطاعة تحصل منك: { فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر } أي فاعبد لي وسل الظفر بعد العبادة فإني أوجبت على كرمي أن بعد كل فريضة دعوة مستجابة ، كذا روى في الحديث المسند ، فحينئذ أستجيب فيصير خصمك أبتر وهو الإيتاء ، فهذا ما يخطر بالبال في تفسير قوله تعالى: { إِنَّا أعطيناك } أما الكوثر فهو في اللغة فوعل من الكثرة وهو المفرط في الكثرة ، قيل: لأعرابية رجع ابنها من السفر ، بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر ، أي بالعدد الكثير ، ويقال للرجل الكثير العطاء: كوثر ، قال الكميت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت