{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا } [ الفرقان: 51 ] ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت: { ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين } [ الأحزاب: 40 ] / فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلًا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة . فقل: وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الخامس والعشرون: كأنه تعالى يقول: القوم جاؤك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد ، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت: { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله } [ آل عمران: 31 ] ثم إني ناديت في العالمين وقلت: { أَنَّ الله بَرِىء منَ المشركين وَرَسُولُهُ } [ التوبة: 3 ] فصرح أنت أيضًا بذلك ، و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، السادس والعشرون: كأنه تعالى يقول: ألست أرأف بك من الولد بولده ، ثم العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب ، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى ، فقد جربتني ، ألم أجدك يتيمًا وضالًا وعائلًا ، ألم نشرح لك صدرك ، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة ، وبعلي علمًا ، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك ، ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف ، ألم أعطك الكوثر ، ألم أضمن أن خصمك أبتر ، ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها: { لِمَ تَعْبُدُ مَالًا يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا } [ مريم: 42 ] فصرح بالبراءة عنها و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السابع والعشرون: كأنه تعالى يقول: يا محمد ألست قد أنزلت عليك: { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } [ البقرة: 200 ] ثم إن واحدًا لو نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه ، حتى قلت: « ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح » فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة ، فكيف سكت عند التشريك في العبادة! بل أظهر الإنكار ، وبالغ في التصريح به ، و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، الثامن والعشرون: كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك: { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يخلق عْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [ النحل: 17 ] فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد في المعبودية لا يكون عاقلًا بل يكون مجنونًا ، ثم إني أقسمت وقلت: { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم: 1 ، 2 ] والكفار يقولون: إنك مجنون ، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك ، وبراءتك عن عيب الجنون و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون التاسع والعشرون: أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة ، والمشاركة في الاسم لا توجب المشاركة في المعنى ، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية حقيقة ، ثم القيمية كلها حظ الزوج لأنه أعلم وأقدر ، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق في القيمية ، فمن لا قدرة له ولا علم ألبتة كيف يكون له حق في القيومية ، بل ههنا شيء آخر: وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا عليها لا يجوز ، ولو أقام كل واحد منها بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما ، والجارية بين إثنين لا تحل لواحد منهما ، فإذا لم يجز حصول زوجة لزوجين ، ولا أمة بين موليين في حل الوطء فكيف يعقل عابد واحد بين معبودينا بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهرًا ، ثم الثاني شهرًا آخر كان كافرًا ، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافرًا فكأنه تعالى يقول لرسوله: إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح بالإنكار وقل: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثلاثون: كأنه تعالى يقول أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك: { قُل لازواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } إلى قوله: