{ قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا } [ مريم: 18 ] فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون التاسع والثلاثون: مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول: لأنه كان قيمًا فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب فالحق سبحانه يقول: كنت قيمًا ولم أتعيب ، فكيف يجوز الإعراض عني: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الأربعون: هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان: 25 ] وقال في موضع آخر: { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الارض } [ فاطر: 40 ] فكأنه تعالى يقول: هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل ، لأن البذر مني والتربية والسقي مني ، والحفظ مني ، فأي شيء للصنم ، أو شركة الوجوه وذلك أيضًا باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهورًا مني ، أو شركة الأبدان وذلك أيضًا باطل ، ون ذلك يستدعي الجنسية ، أو شركة العنان ، وذلك أيضًا باطل ، لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، أو يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيبًا من الملك ، فكأن الرب يقول: ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزًا من الذبابة: { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا } [ الحج: 73 ] فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض ، فالتربية والسقي والحفظ مني . ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيبًا مني ، ما هذا بقول يليق بالعقلاء: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الحادي والأربعون: أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام ، ولما كان كل بق وبعوضة داعيًا إلى معرفة الذاتي والصفات قال: { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [ البقرة: 26 ] ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله ، فكأنه تعالى يقول: مثل هذا الشيء كيف يتسحيا منه ، روي أن عمر Bه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشًا وحمله بنفسه فرآه علي من بعيد فتنكب علي عن الطريق فاستقبله عمر وقال له: لم تنكبت عن الطريق؟ فقال علي: حتى لا تستحي ، فقال: وكيف أستحي من حمل ما هو غذائي! فكأنه تعالى يقول: إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك ، ثم كأنه تعالى يقول: يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار ، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون وإن فرعون لما ادعى الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفًا فلست أضعف من بعوضة نمروذ ، وإن كنت قويًا فلست أقوى من جبريل ، فأظهر الإنكار عليهم و: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الثاني والأربعون: كأنه تعالى يقول يا محمد: قل بلسانك لا أعبد ما تعبدون واتركه قرضًا علي فإني أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه ، ألا ترى أن النصراني إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا مالم تصرح بالبراءة عن النصرانية ، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضًا أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل: يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الثالث والأربعون: أن موسى عليه السلام كان في طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له: