{ فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا } [ طه: 44 ] وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيهًا على أنه في غاية الرحمة ، فقيل له: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون .
أما قوله تعالى: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: { ياْ أَيُّهَا } ، قد تقدم القول فيها في مواضع ، والذي نزيده ههنا ، أنه روي عن علي عليه السلام أنه قال: يا نداء النفس وأي نداء القلب ، وها نداء الروح ، وقيل: يا نداء الغائب وأي للحاضر ، وها للتنبيه ، كأنه يقول: أدعوك ثلاثًا ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي ، ومنهم من قال: أنه تعالى جمع بين يا الذي هو للبعيد ، وأي الذي هو للقريب ، كأنه تعالى يقول: معاملتك معي وفرارك عني يوجب البعد البعيد ، لكن إحساني إليك ، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق: 16 ] وإنما قدم يا الذي يوجب البعد على أي الذي يوجب القرب ، كأنه يقول: التقصير منك والتوفيق مني ، ثم ذكرها بعد ذلك لأن ما يوجب البعد الذي هو كالموت وأي يوجب القرب الذي هو كالحياة ، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت ، وتلك الحالة هي النوم ، والنائم لا بد وأن ينبه وها كلمة تنبيه ، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف .
المسألة الثانية: روي في سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، قالوا لرسول الله تعالى: حتى نعبد إلهك مدة ، وتعبد آلهتنا مدة ، فيحصل مصلح بيننا وبينك ، وتزول العداوة من بيننا ، فإن كان أمرك رشيدًا أخذنا منه حظًا ، وإن كان أمرنا رشيدًا أخذت منه حظًا ، فنزلت هذه السورة ونزل أيضًا قوله تعالى: