{ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون } [ الزمر: 64 ] فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر ، واعلم أن الجهل كالشجرة ، والكفر كالثمرة ، فلما نزلت السورة وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه ، وههنا سؤالات:
السؤال الأول: لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين ، وفي الأخرى بالجاهلين؟ الجواب: لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم ، فلا بد وأن تكون المبالغة ههنا أشد ، وليس في الدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر ، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقًا أو مقيدًا ، أما لفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم ، كقوله عليه السلام في علم الأنساب: « علم لا ينفع وجهل لا يضر » .
السؤال الثاني: لما قال تعالى في سورة: ( لم تحرم ) { يا أيها الذين كفروا } [ التحريم: 7 ] ، ولم يذكر قل ، وههنا ذكر قل ، وذكره باسم الفاعل والجواب: الآية المذكورة في سورة لم تحرم: إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولًا إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين . فلذلك ذكره بلفظ الماضي ، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولًا إليهم ، فلا جرم قال: { قُلْ ياأيها الكافرون } .
السؤال الثالث: قوله ههنا: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } خطاب مع الكل أو مع البعض؟ الجواب: لا يجوز أن يكون قوله: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } خطابًا مع الكل ، لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } ولا يجوز أيضًا أن يكون قوله: { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } خطابًا مع الكل ، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد الله فإذن وجب أن يقال: إن قوله: { با أيها الكافرون } خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك ، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى .