فأتى الجواب على التكرير على وفق قولهم وهو ضرب من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد يجازي بدفع تلك الكلمة على سبيل التكرار استخفافًا به واستحقارًا لقوله .
المسألة الثانية: في الآية سؤال وهو أن كلمة: { مَا } لا تتناول من يعلم فهب أن معبودهم كان كذلك فصح التعبير عنه بلفظ ما لكن معبود محمد E هو أعلم العالمين فكيف قال: { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } أجابوا عنه من وجوه أحدها: أن المراد منه الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل وأنتم لا تعبدون الحق وثانيها: أن مصدرية في الجملتين كأنه قال: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في المستقبل ، ثم قال: ثانيًا لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في الحال وثالثها: أن يكون ما بمعنى الذي وحينئذ يصح الكلام ورابعها: أنه لما قال أولًا: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } حمل الثاني عليه ليتسق الكلام كقوله: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] .
المسألة الثالثة: احتج أهل الجبر بأنه تعالى أخبر عنهم مرتين بقوله: { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } والخبر الصدق عن عدم الشيء يضاد وجود ذلك الشي فالتكليف بتحصيل العبادة مع وجود الخبر الصدق بعدم العبادة تكليف بالجمع بين الضدين ، واعلم أنه بقي في الآية سؤالات:
السؤال الأول: أليس أن ذكر الوجه الذي لأجله تقبح عبادة غير الله كان أولى من هذا التكرير؟ الجواب بل قد يكون التأكيد والتكرير أولى من ذكر الحجة ، إما لأن المخاطب بليد ينتفع بالمبالغة والتكرير ولا ينتفع بذكر الحجة أو لأجل أن محل النزاع يكون في غاية الظهور فالمناظرة في مسألة الجبر والقدر حسنة ، أما القائل: بالصنم فهو إما مجنون يجب شده أو عاقل معاند فيجب قتله ، وإن لم يقدر على قتله فيجب شتمه ، والمبالغة في الإنكار عليه كما في هذه الآية .