{ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر: 21 ] ، وثانيها: أن اللفظ دل على أن النصر كان كالمشتاق إلى محمد A ، وذلك لأن ذلك النصر كان مستحقًا له بحكم الوعد فالمقتضى كان موجودًا إلا أن تخلف الأثر كان لفقدان الشرط فكان كالثقيل المعلق فإن ثقله يوجب الهوى إلا أن العلاقة مانعة فالثقيل يكون كالمشتاق إلى الهوى ، فكذا ههنا النصر كان كالمشتاق إلى محمد A وثالثها: أن عالم العدم عالم لا نهاية له وهو عالم الظلمات إلا أن في قعرها ينبوع الجود والرحمة وهو ينبوع جود الله وإيجاده ، ثم انشعبت بحار الجود والأنوار وأخذت في السيلان ، وسيلانها يقتضي في كل حين وصولها إلى موضع ومكان معين فبحار رحمة الله ونصرته كانت آخذة في السيلان من الأزل فكأنه قيل: يا محمد قرب وصولها إليك ومجيئها إليك فإذا جاءتك أمواج هذا البحر فاشتغل بالتسبيح والتحميد والاستغفار فهذه الثلاثة هي السفينة التي لا يمكن الخلاص من بحار الربوبية إلا بها ، ولهذا السبب لما ركب أبوك نوح بحر القهر والكبرياء استعان بقوله: { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود: 41 ] السؤال الخامس: لا شك أن الذين أعانوا رسول الله A على فتح مكة هم الصحابة من المهاجرين والأنصار ، ثم إنه سمى نصرتهم لرسول الله: { نَصْرُ الله } فما السبب في أن صار الفعل الصادر عنهم مضافًا إلى الله؟ الجواب: هذا بحر يتفجر منه بحر سر القضاء والقدر ، وذلك لأن فعلهم فعل الله ، وتقريره أن أفعالهم مسندة إلى ما في قلوبهم من الدواعي والصوارف ، وتلك الدواعي والصوارف أمور حادثة فلا بد لها من محدث وليس هو العبد ، وإلا لزم التسلسل ، فلا بد وأن يكون الله تعالى ، فيكون المبدأ الأول والمؤثر الأبعد هو الله تعالى ، ويكون المبدأ الأقرب هو العبد . فمن هذا الاعتبار صارت النصرة المضافة إلى الصحابة بعينها مضافة إلى الله تعالى ، فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد مفرعًا على فعل الله تعالى ، وهذا يخالف النص ، لأنه قال: { إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ } [ محمد: 7 ] فجعل نصرنا له مقدمًا على نصره لنا والجواب: أنه لا امتناع في أن يصدر عن الحق فعل ، فيصير ذلك سببًا لصدور فعل عنا ، ثم الفعل عنا ينساق إلى فعل آخر يصدر عن الرب ، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها متسلسلة على ترتيب عجيب يعجز عن إدراك كيفيته أكثر العقول البشرية .