السؤال السادس: كلمة: { إِذَا } للمستقبل ، فههنا لما ذكر وعدًا مستقبلًا بالنصر ، قال: { إِذَا جَاء نَصْرُ الله } فذكر ذاته باسم الله ، ولما ذكر النصر الماضي حين قال: { وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ } [ العنكبوت: 10 ] فذكره بلفظ الرب ، فما السبب في ذلك؟ الجواب: لأنه تعالى بعد وجود الفعل صار ربًا ، وقبله ما كان ربًا لكن كان إلهًا .
السؤال السابع: أنه تعالى قال: { إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ } [ محمد: 7 ] وإن محمدًا عليه السلام نصر الله حين قال: { قُلْ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فكان واجبًا بحكم هذا الوعد أن ينصره الله ، فلا جرم قال: { إِذَا جَاء نَصْرُ الله } فهل تقول بأن هذا النصر كان واجبًا عليه؟ الجواب: أن ما ليس بواجب قد يصير واجبًا بالوعد ، ولهذا قيل: وعد الكريم ألزم من دين الغريم ، كيف ويجب على الوالد نصرة ولده ، وعلى المولى نصرة عبده ، بل يجب النصر على الأجنبي إذا تعين بأن كان واحدًا اتفاقًا ، وإن كان مشغولًا بصلاة نفسه ، ثم اجتمعت هذه الأسباب في حقه تعالى فوعده مع الكرم وهو أرأف بعبده من الوالد بولده والمولى بعبده وهو ولي بحسب الملك ومولى بحسب السلطنة ، وقيوم للتدبير وواحد فرد لا ثاني له فوجب عليه وجوب الكرم نصرة عبده ، فلهذا قال: { إِذَا جَاء نَصْرُ الله } .
أما قوله تعالى: { والفتح } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: نقل عن ابن عباس أن الفتح هو فتح مكة وهو الفتح الذي يقال له: فتح الفتوح . روي أنه لما كان صلح الحديبية وانصرف رسول الله A أغار بعض من كان في عهد قريش على خزاعة وكانوا في عهد رسول الله A فجاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول الله A فعظم ذلك عليه ، ثم قال: « أما إن هذا العارض ليخبرني أن الظفر يجيء من الله ، ثم قال لأصحابه: أنظروا فإن أبا سفيان يجيء ويلتمس أن يجدد العهد فلم تمض ساعة أن جاء الرجل ملتمسًا لذلك فلم يجبه الرسول ولا أكابر الصحابة فالتجأ إلى فاطمة فلم ينفعه ذلك ورجع إلى مكة آيسًا وتجهز رسول الله A إلى المسير لمكة ، ثم يروى أن سارة مولاة بعض بني هاشم أتت المدينة فقال عليه السلام لها: جئت مسلمة؟ قالت: لا لكن كنتم الموالي وبي حاجة ، فحث عليها رسول الله بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بعشرة دنانير واستحملها كتابًا إلى مكة نسخته: اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم ، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر ، فبعث رسول الله A عليًا عليه السلام وعمارًا في جماعة وأمرهم أن يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها ، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل علي عليه السلام سيفه ، وقال: الله ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها ، واستحضر النبي حاطبًا وقال: ما حملك عليه؟ فقال: والله ما كفرت منذ أسلمت ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، لكن كنت غريبًا في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم فخشيبت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدًا ، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر ، ثم خرج رسول الله إلى أن نزل بمر الظهران ، وقدم العباس وأبو سفيان إليه فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان: إما أن تأذن لي وإلا أذهب بولدي إلى المفازة فيموت جوعًا وعطشًا فرق قلبه ، فأذن له وقال له: ألم يأن أن تسلم وتوحد؟ فقال: أظن أنه واحد ، ولو كان ههنا غير الله لنصرنا ، فقال: ألم يأن أن تعرف أني رسوله؟ فقال: إن لي شكًا في ذلك ، فقال العباس: أسلم قبل أن يقتلك عمر ، فقال: وماذا أصنع بالعزى ، فقال عمر: لولا أنك بين يدي رسول الله لضربت عنقك ، فقال: يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك ، فسكان مكة عشيرتك وأقارب ، و ( لا ) تعرضهم للشن والغارة ، فقال عليه السلام: هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي ، وأهل مكة أخرجوني وظلموني ، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم ، وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر ، فكانت الكتيبة تمر عليه ، فيقول من هذا؟ فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء التي لا يرى منها إلا الحدق ، فسأل عنهم ، فقال العباس: هذا رسول الله ، فقال: لقد أوتي ابن أخيك ملكًا عظيمًا ، فقال العباس: هو النبوة ، فقال هيهات النبوة ، ثم تقدم ودخل مكة ، وقال: إن محمدًا جاء بعسكر لا يطيقه أحد ، فصاحت هند وقالت: اقتلوا هذا المبشر ، وأخذت بلحيته فصاح الرجل ودفعها عن نفسه ، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر ، وكانوا عشرة آلاف فزع لذلك فزعًا شديدًا وسأل العباس ، فأخبره بأمر الصلاة ، ودخل رسول الله مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد تواضعًا وشكرًا ، ثم التمس أبو سفيان الأمان ، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقال: ومن تسع داري ، فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن فقال: ومن يسع المسجد؟ فقال: من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ثم وقف رسول الله A على باب المسجد ، وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال: يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم ، فقالوا: خير أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ومن ذلك كان علي عليه السلام يقول لمعاوية: أنى يستوي المولى والمعتق يعني أعتقناكم حين مكننا الله من رقابكم ولم يقل: اذهبوا فأنتم معتقون ، بل قال: الطلقاء ، لأن المعتق يجوز أن يرد إلى الرق ، والمطلقة يجوز أن تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر ، فكان يجوز أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق يخص النسوان ، وقد ألقوا السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان ، ولأن المعتق يخلى سبيله يذهب حيث شاء ، والمطلقة تجلس في البيت للعدة ، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان ، ثم إن القوم بايعوا رسول الله A على الإسلام ، فصاروا يدخلون في دين الله أفواجًا ، روي أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات: أربعة صلاة الضحى ، وأربعة أخرى شكرًا لله نافلة ، فهذه هي قصة فتح مكة »