{ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } [ محمد: 19 ] فههنا لما كثرت الأمة صار ذلك الاستغفار أوجب وأهم ، وهكذا إذا قلنا: المراد ههنا أن يستغفر لنفسه ولأمته .
المسألة السادسة: في الآية إشكال ، وهو أن التوبة مقدمة على جميع الطاعات ، ثم الحمد مقدم على التسبيح ، لأن الحمد يكون بسبب الإنعام ، والإنعام كما يصدر عن المنزه فقد يصدر عن غيره ، فكان ينبغي أن يقع الابتداء بالاستغفار ، ثم بعده يذكر الحمد ، ثم بعده يذكر التسبيح ، فما السبب في أن صار مذكورًا على العكس من هذا الترتيب؟ وجوابه: من وجوه أولها: لعله ابتدأ بالأشرف ، فالأشرف نازلًا إلى الأخس فالأخس ، تنبيهًا على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق وثانيها: فيه تنبيه على أن التسبيح والحمد الصادر عن العبد إذا صار مقابلًا بجلال الله وعزته صار عين الذنب ، فوجب الاستغفار منه وثالثها: للتسبيح والحمد إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق ( الله ) ، والأول كالصلاة ، والثاني كالزكاة ، وكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة ، فكذا ههنا .
المسألة السابعة: الآية تدل على أنه E كان يجب عليه الإعلان بالتسبيح والاستغفار ، وذلك من وجوه أحدها: أنه E كان مأمورًا بإبلاغ السورة إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن متواترًا ، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحي ، فوجب عليه الإتيان بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض وثانيها: أنه من جملة المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة ، ما فعله الرسول من تجديد الشكر والحمد عند تجديد النعمة وثالثها: أن الأغلب في الشاهد أن يأتي بالحمد في ابتداء الأمر ، فأمر الله رسوله بالحمد والاستغفار دائمًا ، وفي كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره ، ثم قال: واستغفره حين نعيت نفسه إليه لتفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك .
المسألة الثامنة: في الآية سؤالات أحدها: وهو أنه قال: { إِنَّهُ كَانَ تَوبَا } على الماضي وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وثانيها: هلا قال: غفارًا كما قاله: في سورة نوح وثالثها: أنه قال: { نَصْرُ الله } وقال: { فِى دِينِ الله } فلم لم يقل: بحمد الله بل قال: { بِحَمْدِ رَبّكَ } والجواب: عن الأول من وجوه أحدها: أن هذا أبلغ كأنه يقول: ألست أثنيت عليكم بأنكم: خير أمة أخرجت للناس ثم من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة ، وفلق البحر ونتق الجبل ، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم . وأتوا بالقبائح ، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلًا للتوبة ممن دونكم أفلا أقبلها منكم وثانيها: منذ كثير كنت شرعت في قبول توبة العصاة والشروع ملزم على قبول النعمان فكيف في كرم الرحمن وثالثها: كنت توابًا قبل أن آمركم بالاستغفار أفلا أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار ورابعها: كأنه إشارة إلى تخفيف جنايتهم أي لستم بأول من جنى وتاب بل هو حرفتي ، والجناية مصيبة للجاني والمصيبة إذا عمدت خفت وخامسها: كأنه نظير ما يقال: