فهرس الكتاب

الصفحة 8295 من 8321

الفصل الرابع: في فضائل هذه السورة وهي من وجوه الأول: اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن ، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات ، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة مشتملة على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } فهي معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، وسورة: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } ، و: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما تفيد براءة القلب عما سوى الله تعالى ، إلا أن: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن: { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله ، و: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } تفيد براءة المعبود عن كل مالا يليق به الوجه الثاني: وهو أن ليلة القدر لكونها صدقًا للقرآن كانت خيرًا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث: وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرًا بنور جلال الله وكبريائه ، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل: فصفات الله أيضًا مذكورة في سائر السور ، قلنا: لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضرًا أبدًا بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل ولنرجع الآن إلى التفسير .

قوله تعالى: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجنًا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا: أن العقل يريد أمينًا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيًا يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالمًا وغنيًا تعلقا بذيله ، فقال العقل: لا أشكر أحدًا سواك ، وقالت الشهوة: لا أسأل أحدًا إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلًا؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابًا آخر؟ فبقي العقل متحيرًا وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث الله رسوله وقال: لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقًا يقول لي: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معًا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت