واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الاسلام؟ قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك ، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين ، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلان الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر ، فإذن لا قدرة إلا على الوجود ، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود ، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل ، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح ، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل الله تعالى قطعًا للتسلسل ، وعند حصول المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل ، فثبت أن قوله: { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية .
المسألة الثانية: قوله: { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } يفيد الحصر أي نكون مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلمًا لاحكام الله تعالى وقضائه وقدره ، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه ، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين } [ الشعراء: 77 ] ثم ههنا قولان: أحدهما: { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك . والثاني: قائمين بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه .
المسألة الثالثة: أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا بقوله: ربنا فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله: { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر: 60 ] في شرائط الدعاء .
أما قوله تعالى: { وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } فالمعنى: واجعل من أولادنا و ( من ) للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين }