[ البقرة: 124 ] ومن الناس من قال: أراد به العرب لأنهم من ذريتهما ، و { أمة } قيل هم أمة محمد A بدليل قوله: { وابعث فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ } وههنا سؤالات:
السؤال الأول: قد بينا أن قوله: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالمًا فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالمًا ، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلومًا بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى؟
الجواب: تلك الدلالة ما كانت قاطعة ، والشفيق بسوء الظن مولع .
السؤال الثاني: لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء؟
والجواب: الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى: { قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } [ التحريم: 6 ] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات ، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم .
السؤال الثالث: الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه ، وحينئذ يتوجه الإشكال ، فإن في زمان أجداد محمد A لم يكن أحد من العرب مسلمًا ، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام .
والجواب: قال القفال: أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا ، ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم ، وقد كان في الجاهلية: زيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله A ، وعامر ابن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة ، والثواب والعقاب ، ويوحدون الله تعالى ، ولا يأكلون الميتة ، ولا يعبدون الأوثان .
أما قوله تعالى: { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: في { أَرِنَا } قولان ، الأول: معناه علمنا شرائع حجنا إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعوا الناس إلى حجه ، فعلمنا شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتيه فيه من عمل وقول مجاز هذا من رؤية العلم ، قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان: 45 ] ، { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيل } [ الفيل: 1 ] . الثاني: أظهرها لأعيننا حتى نراها . قال الحسن: إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها ، حتى بلغ عرفات ، فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟ قال: نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق ، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل ، فذهب الشيطان ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات .
وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معًا . وهو قول القاضي لأن الحج لايتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى ، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية ، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعًا وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معًا وأنه جائز ، فبقي القول المعتبر وهو القولان الأولان ، فمن قال بالقول الثاني قال: إن المناسك هي المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها ، ومن قال بالأول قال: إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف .