فهرس الكتاب

الصفحة 853 من 8321

المسألة الثانية: النسك هو التعبد ، يقال للعابد ناسك ثم سمي الذبح نسكًا والذبيحة نسيكة ، وسمي أعمال الحج مناسك . قال عليه السلام: « خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا » والمواضع التي تقام فيها شرائع الحج تسمى: مناسك أيضًا ، ويقال: المنسك بفتح السين بمعنى الفعل ، وبكسر السين بمعنى المواضع ، كالمسجد والمشرق والمغرب ، قال الله تعالى: { لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ } [ الحج: 67 ] قرىء بالفتح والكسر ، وظاهر الكلام يدل على الفعل ، وكذلك قوله عليه السلام: « خذوا عني مناسككم » أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه أراد: خذوا عني مواضع نسككم إذا عرفت هذا فنقول: إن حملنا المناسك على مناسك الحج ، فإن حملناها على الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال ، وإن حملناها على المواضع فالإراءة لتعريف البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط ، وهو خطأ ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكًا لدخولها تحت التعبد ، ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكًا ، وهو كونه عملًا من أعمال الحج قائم في سائر الأعمال ، فوجب دخول الكل فيه وإن حملنا المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى ، واللزوم لما يرضيه وجعل ذلك عامًا لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فقوله: { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي علمنا كيف نعبدك ، وأين نعبدك وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك به كما يخدم العبد مولاه .

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو في بعض الروايات { أَرِنَا } بإسكان الراء في كل القرآن ، ووافقهما عاصم وابن عامر في حرف واحد ، في حم السجدة { أَرِنَا الذين أضلانا } [ فصلت: 29 ] وقرأ أبو عمرو في بعض الروايات الظاهرة عنه باختلاس كسرة الراء من غير إشباع في كل القرآن ، والباقون بالكسرة مشبعة ، وأصله أرئنا بالهمزة المكسورة ، نقلت كسرة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه ، ولأنه سقطت الهمزة فلا ينبغي أن تسكن الراء لئلا يجحف بالكلمة وتذهب الدلالة على الهمزة ، وأما التسكين فعلى حذف الهمزة وحركتها وعلى التشبيه بما سكن كقولهم: فخذ وكبد ، وأما الاختلاس فلطلب الخفة وبقاء الدلالة على حذف الهمزة .

أما قوله: { وَتُبْ عَلَيْنَا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال: لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب ، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلبًا للمحال ، وأما المعتزلة فقالوا: إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة ، ولقائل أن يقول: إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال ، لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت