وههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها ، وهي من وجوه . أولها: يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشددًا في الإنصراف عن المعصية ، لأن من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد ، كان أقرب إلى ترك المعاصي ، فيكون ذلك لطفًا داعيًا إلى ترك المعاصي ، وثانيها: أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لاينفك عن التقصير من بعض الوجوه: إما على سبيل السهو ، أو على سبيل ترك الأولى ، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك . وثالثها: أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالمًا عاصيًا ، لا جرم سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة ، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة فقال: { وَتُبْ عَلَيْنَا } أي على المذنبين من ذريتنا ، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول: أجرمت وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده: إن ولدي أذنب فاقبل عذره ، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه ، والذي يقوي هذا التأويل وجوه . الأول: ما حكى الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال: { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام رَّبّ إِنَّهُمْ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم: 35 ، 36 ] فيحتمل أن يكون المعنى: ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب ، وتغفر له ما سلف من ذنوبه . الثاني: ذكر أن في قراءة عبد الله: وأرهم مناسكهم وتب عليهم . الثالث: أنه قال عطفًا على هذا: { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ } . الرابع: تأولوا قوله تعالى: { وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } [ الأعراف: 11 ] بجعل خلقه إياه خلقًا لهم إذ كانوا منه ، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله: { أَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي أر ذريتنا .
المسألة الثانية: احتج الأصحاب بقوله: { وَتُبْ عَلَيْنَا } على أن فعل العبد خلق لله تعالى ، قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه ، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد ، لكان طلبها من الله تعالى محالًا وجهلًا ، قالت المعتزلة: هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا . فقال: { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا } [ التحريم: 8 ] ولو كانت فعلًا لله تعالى ، لكان طلبها من العبد محالًا وجهلًا ، وإذا ثبت ذلك حمل قوله: { وَتُبْ عَلَيْنَا } على التوفيق وفعل الألطاف أو على قبول التوبة من العبد ، قال الأصحاب: الترجيح معنا لأن دليل العقل يعضد قولنا من وجوه . أولها: أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال حصول التوبة ، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد ، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرة . وثانيها: أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي C: عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مرتبة: علم وحال وعمل ، فالعلم أول والحال ثانٍ وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب الحال ، أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب ، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة وحصول المضرة ، وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا الندم صفة تسمى: إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل ، أما تعلقه بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابسًا له ، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر ، وأما في الماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلًا للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب ، ثم إن هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان ، أنه صار محجوبًا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض للتدارك إذا عرفت هذا فنقول: إن ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة الجازمة الخالية عن المعارض لا بد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على تألم القلب أيضًا ضروري ، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لا بد وأن يحصل في قلبه إرادة الدفع وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالبًا للمضار ، ودفعًا للمنافع أيضًا أمر ضروري ، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف .