وأجابوا عنه من وجوه ، أولها: أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه السلام حيث قال: { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك } فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة . وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام سأل ذلك ربه بقوله: { واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأخرين } [ الشعراء: 84 ] يعني ابق لي ثناء حسنًا في أمة محمد A ، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته . وثالثها: أن إبراهيم كان أب الملة لقوله: { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } [ الحج: 78 ] ومحمد كان أب الرحمة ، وفي قراءة ابن مسعود: ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ) وقال في قصته: { بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة: 128 ] وقال عليه السلام:"إنما أنا لكم مثل الوالد"يعني في الرأفة والرحمة ، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة . ورابعها: أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج: { وَأَذّن فِى الناس بالحج } [ الحج: 27 ] وكان محمد عليه السلام منادي الدين: { سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى للإيمان } [ آل عمران: 193 ] فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل .
واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم ، ذكر لذلك الرسول صفات . أولها: قوله: { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك } وفيه وجهان الأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد A لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك ، فوجب حمله عليه . الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها . وثانيها: قوله: { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه ، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونًا عن التحريف والتصحيف ، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزًا لمحمد A ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة ، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة ، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام ، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورًا لما فيه من المعاني والحكم والأسرار ، فلما ذكر الله تعالى أولًا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } . الصفة الثالثة: من صفات الرسول A قوله: ( والحكمة ) أي ويعلمهم الحكمة . واعلم أن الحكمة هي: الإصابة في القول والعمل ، ولا يسمى حكيمًا إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته ، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل ، ووضع كل شيء موضعه . قال القفال: وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية . واختلف المفسرون في المراد بالحكمة ههنا على وجوه . أحدها: قال ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين ، والفقه فيه ، والاتباع له . وثانيها: قال الشافعي Bه: الحكمة سنة رسول الله A . وهو قول قتادة ، قال أصحاب الشافعي Bه: والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولًا وتعليمه ثانيًا ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئًا خارجًا عن الكتاب ، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام . فإن قيل: لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة؟ قلنا: لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى . وثالثها: الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل ، وهو مصدر بمعنى الحكم ، كالقعدة والجلسة . والمعنى: يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها ، ومثال هذا: الخبر والخبرة ، والعذر والعذرة ، والغل والغلة ، والذل والذلة . ورابعها: ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة . ( والحكمة ) أراد بها الآيات المتشابهات . وخامسها: { يَعْلِمُهُمْ الكتاب } أي يعلمهم ما فيه من الأحكام . ( والحكمة ) أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع ، ومن الناس من قال: الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات ، وبأنه كتاب ، وبأنه حكمة . الصفة الرابعة: من صفات الرسول A: قوله: «ويزكيهم» واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين . أحدهما: أن يعرف الحق لذاته . والثاني: أن يعرف الخير لأجل العمل به ، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم يكن طاهرًا عن الرذائل والنقائص ، ولم يكن زكيًا عنها ، فلما ذكر صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص ، فقال: ( ويزكيهم ) واعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين ، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلًا فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار ، فإذن هذه التزكية لها تفسيران . الأول: ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة ، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم ، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد ، والوعظ والتذكير ، وتكرير ذلك عليهم ، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا ، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح ، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم ، وأنه أوتي مكارم الأخلاق . الثاني: يزكيهم ، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت ، كتزكية المزكي الشهود ، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء ، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة ، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة ، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية ، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية ، وللمفسرين فيه عبارات . أحدها: قال الحسن: يزكيهم: يطهرهم من شركهم ، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب ، وأن الشرك ينجسهم ، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولًا منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم . وثانيها: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص عن ابن عباس . وثالثها: ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس ، كقوله: